15

يوم الحساب في حلب

باريس ــ يتعين علينا أن نوقف المجزرة في حلب. وبأي ثمن، علينا أن نوقف القصف المكثف العشوائي المستهتر ــ والأسوأ ذلك القصف العمدي الذي يستهدف في المقام الأول المدنيين، والقوافل الإنسانية، والمستشفيات ــ الذي استأنفته قوات بشار الأسد وروسيا بكل شِدة على وحول المدينة التي كانت ذات يوم الأكثر اكتظاظا بالسكان في سوريا.

يجب علينا أن نضع حدا في الأيام (إن لم يكن الساعات) المقبلة لأمطار الفولاذ، والقنابل العنقودية والفسفورية، وبراميل الكلور التي يجري إسقاطها من طائرات هليوكوبتر حكومية تحلق على ارتفاعات منخفضة فوق الأجزاء الأخيرة من مدينة حلب التي يسيطر عليها متمردون معتدلون. ولا يجوز للعالَم، والأنظمة الديمقراطية في طليعته، أن يتقاعس عن الاستجابة للصور المروعة التي يبثها الشهود القلائل المتبقين هناك.

 1972 Hoover Dam

Trump and the End of the West?

As the US president-elect fills his administration, the direction of American policy is coming into focus. Project Syndicate contributors interpret what’s on the horizon.

إنها صور لجثث أطفال ضامرة متخشبة؛ لمصابين بُتِرَت أطرافهم بسبب الافتقار إلى الأدوية على يد أطباء يائسين سُرعان ما تحصد المجزرة أرواحهم هم أنفسهم؛ لنساء مزقت أجسادهن نيران الصواريخ، كما حدث في سراييفو قبل 24 عاما، بينما كن ينتظرن دورهن في الطابور لشراء اللبن أو الخبز؛ لمتطوعين أُسقِطوا عندما كانوا يحفرون خلال الأنقاض بحثا عن ناجين؛ لكائنات بشرية مستنزفة القوى، تعيش بين القذارة والنفايات، وتودع الحياة.

يتعين علينا أن نخنق أعمدة النار والدخان.

يتعين علينا أن نبدد سحب الغاز المشتعل المتدفقة من أسلحة القتلة المتطورة التي لم يسبق لها مثيل.

يتعين علينا أن نتحرك لأننا قادرون على التحرك.

ونحن قادرون على التحرك لأن أولئك الذين يتحملون المسؤولية عن هذه المجزرة، وعن جرائم الحرب هذه، وعن ذبح المدن حيث يتضاعف أثر الجرائم المحتملة ضد الإنسانية بتدمير مواقع الذاكرة والثقافة التي كانت تُعَد من تراث العالَم الحي، لا يختبئون. بل يقفون على مرأى من الجميع وهم يدمرون المدينة الحية الرائعة الأكثر عالمية في سوريا. ولا يكلفون أنفسهم عناء إخفاء أفعالهم. ونحن نعرف من هم.

أعني بطبيعة الحال النظام في دمشق، الذي كان ينبغي لنا منذ سنوات أن نبدأ في التعامل معه كما تعاملنا مع نظام معمر القذافي.

وأعني أيضا رعاة النظام من الإيرانيين، وقبلهم الروس. فعلى مدار خمس سنوات عمل هؤلاء الرعاة بمنهجية على عرقلة أي محاولة للحل صادرة من الأمم المتحدة. وقد شاركت طائرات روسية علنا في العديد من الوقائع الموثقة بشكل جيد في حملة الأسد الواسعة النطاق ضد المدنيين. والواقع أن الكرملين يبدو على نحو متزايد عازما على تطبيق السياسة التي مارسها في الشيشان على سوريا أيضا، وهي على وجه التحديد سياسة "الركل إلى المرحاض" مع أولئك الذين يطلق عليهم وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف مرة أخرى كاذبا وصف "الإرهابيين".

نظرا لهذه الحقائق، فنحن لسنا في مواجهة معضلة حول ضرورة التحرك.

ولكن لأن الولايات المتحدة تبنت الموقف الذي تبنته قبل ثلاث سنوات، بعد أن اختار الرئيس باراك أوباما عدم معاقبة الأسد لاستخدام الأسلحة الكيميائية (وهو الخط الأحمر الذي رسمه أوباما ذاته)، فأخشى أن المسؤولية الآن تقع بالدرجة الأولى، إن لم يكن حصرا، على أوروبا.

والاختيار لنا. فنحن في أوروبا نستطيع أن نرسم خطا أحمر خاصا بنا، وأن نحذر روسيا من أن تجاوزها لهذا الخط يعني زيادة العقوبات المفروضة عليها باعتبارها الدولة المسؤولة من الآن فصاعدا عن الجرائم التي يرتكبها تابعها السوري. وبوسعنا أيضا أن نبادر على الفور إلى إنشاء منتدى للتفاوض وممارسة الضغوط على نحو أقرب إلى "صيغة نورماندي" التي ابتكرها الرئيس فرانسوا هولاند والمستشارة أنجيلا ميركل قبل عامين بنجاح لاحتواء الحرب في أوكرانيا. وبالعمل على هذا النحو، يصبح بوسعنا إرغام المعتدي على التوصل إلى تفاهم وقبول الشروط.

أو يمكننا أن نتقاعس عن القيام بأي شيء ونقبل ضمنا سراييفو أخرى، على حد تعبير فرانسوا ديلاتر سفير فرنسا إلى الأمم المتحدة؛ ويمكننا أن نجازف باستنساخ جرنيكا العربية، حيث تلعب طائرات روسية دور فيلق كوندور الألماني فوق سماوات أسبانيا الجمهورية في عام 1936. وإذا حدث هذا، فلن نجني العار فحسب، بل وأيضا، في صياغة معدلة لمقولة ونستون تشرشل، نرفع ألى أقصى المستويات المخاطر التي نواجهها حاليا، بدءا بزيادة هائلة في سيل اللاجئين، الذين فر أغلبهم من سوريا كنتيجة مباشرة لمبدأ عدم التدخل الذي يتبناه العالم.

هذا هو الموقف الذي انتهينا إليه الآن: فحلب المحاصرة التي تحولت إلى خرائب، والتي أُنهِكَت وتخلى عنها العالم، ولكنها لا تزال تتحدى ــ وتحتضر وهي تقاتل ــ أصبحت عارنا جميعا، والشاهد على إهمالنا الإجرامي، وتحقيرنا لذواتنا، واستسلامنا في مواجهة قوة غاشمة، وقبولنا أسوأ ما في الإنسانية. إن مدينة حلب التي لم تعد تستصرخنا، تحتضر وتلعن الغرب. وأوروبا، على خط الجبهة، تجازف بمستقبلها وجزء من هويتها، في حين يندفع الناس الذين لم تتمكن من حمايتهم إلى حدودها، ويطلبون السماح لهم بالدخول.

هل تسلم أوروبا في حلب ما تبقى من روحها، أو تستجمع شتات نفسها وترفع رأسها وتفعل ما يتعين عليها أن تفعل؟

Fake news or real views Learn More

إذا لم تكن أوروبا قادرة على الإجابة على هذا السؤال أو عاجزة عن الإجابة عنه، فقد تصبح كل الأسئلة والأزمات الأخرى التي تواجهها الآن عديمة الأهمية.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali