Skip to main content

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated Cookie policy, Privacy policy and Terms & Conditions

bildt71_HOW HWEE YOUNGAFP via Getty Images_vonderleyenchinaarmy How Hwee Young/AFP via Getty Images

كيف تتعامل أوروبا مع الصين؟

ستوكهولم ــ انطلاقا من إدراكها لحقيقة مفادها أن الاتحاد الأوروبي يواجه عددا من التحديات المربكة، وعَدَت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية الجديدة، بقيادة "مفوضية جيوسياسية". وفي ترديد لذات المشاعر، أعلن جوزيبي بوريل، الممثل الأعلى الجديد للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، أنه يتحدى الاتحاد الأوروبي أن يقرر ما إذا كان يريد أن يصبح "لاعبا" عالميا، أو مجرد "ملعب" لقوى أخرى. تُرى، أي طريق قد يسلك الاتحاد الأوروبي؟

الواقع أن قِلة بين كل التحديات التي تواجه أوروبا قد تكون على ذات القدر من أهمية صياغة سياسة استراتيجية لإدارة علاقتها مع الصين. والمخاطر هائلة. إذ يُعَد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر للصين، والصين أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي بعد الولايات المتحدة، حيث تتجاوز التجارة الثنائية بينهما 1.1 مليار دولار يوميا.

على مدار السنوات القليلة الماضية، تبنت الولايات المتحدة نهجا متزايد العدوانية في التعامل مع الصين. ويبدو أن "مواجهة" الصين أصبحت واحدة من الأشياء القليلة التي توحد الأميركيين سياسيا في أيامنا هذه، حتى على الرغم من غياب أي عامل يقود السياسة الأميركية في هذا الاتجاه. ويبدو أن الرئيس دونالد ترمب مهتم في المقام الأول بالعجز التجاري الثنائي، في حين تشعر المؤسسة الأمنية الأميركية بالقلق إزاء التطور العسكري والتكنولوجي المستمر في الصين، والذي قد يضع الولايات المتحدة في نهاية المطاف في موقف يسمح لها بتحدي التفوق الاستراتيجي الأميركي.

لا أحد يشك في أن صعود الصين يفرض تحديا على كل دولة على حِدة وعلى ميزان القوى العالمي في مجمل الأمر. والعالم الذي ينجح فيه الاقتصاد الصيني في النمو إلى ضعف حجم الاقتصاد الأميركي سيكون مختلفا تمام الاختلاف حقا، حتى دون أن نضع في الحسبان الإنفاق العسكري الصيني المتزايد. من المفهوم أن يشعر الأميركيون بالقلق لأن بلدهم لم يعد القوة العالمية الرئيسية ــ وهو الوضع الذي تمتعوا به منذ حلت أميركا محل الإمبراطورية البريطانية قبل أكثر من قرن من الزمن.

ومع ذلك تظل الطريقة التي تعتزم بها الولايات المتحدة مواجهة هذا الواقع الجديد الناشئ غير واضحة. ويبدو أن بعض المراقبين يعتقدون أن الانفصال عن الصين، والضغط على دول أخرى للقيام بذات الأمر، من الممكن أن يحبط نمو الاقتصاد الصيني، على النحو الذي قد يخلق الظروف المناسبة للتغيير السياسي، أو ربما حتى تغيير النظام. ويبدي آخرون تشككهم في هذه الاستراتيجية، ويفضلون سياسات محددة بقدر أكبر من الدقة وموجهة نحو تغيير جوانب بعينها من السياسة الداخلية والخارجية الصينية. وهذا النهج أقل إبهارا، لكنه أيضا أكثر تقليدية.

في كل الأحوال، انتصرت المشاعر العاطفية حتى الآن على المداولات المتأنية، وربما تظل هذه الحال قائمة لبعض الوقت. فالولايات المتحدة تريد من الاتحاد الأوروبي أن يمتثل لموقفها؛ ولكن باستثناء توضيح هذا المطلب، فإنها لم تسع إلى إقامة أي حوار استراتيجي تقريبا مع أوروبا في هذا الشأن.

Subscribe now
Bundle2020_web

Subscribe now

Subscribe today and get unlimited access to OnPoint, the Big Picture, the PS archive of more than 14,000 commentaries, and our annual magazine, for less than $2 a week.

SUBSCRIBE

من ناحية أخرى، كانت المناقشة حول الصين محتدمة داخل الاتحاد الأوروبي. ربما لم تعد الصين تتبنى اقتصادا ماركسيا، لكنها بكل تأكيد لا تزال تتبنى نظاما سياسيا لينينيا. ولسبب وجيه، يُبدي العديد من الأوروبيين حساسية واضحة إزاء القضايا المتصلة بحقوق الإنسان في هونج كونج، وشينجيانج، وأماكن أخرى. كما يشعر الأوروبيون بالقلق عن حق بشأن قضايا اقتصادية. وكما حذرت المفوضية الأوروبية في وقت سابق من هذا العام (تحت قيادتها السابقة)، فإن الصين تُعَد "منافسا اقتصاديا في السعي وراء الريادة التكنولوجية، ومنافسا جهازيا يروج لنماذج بديلة للحكم". وتمثل هذه اللغة خروجا حادا عن اللغة الرسمية التي كانت بيانات الاتحاد الأوروبي تستخدمها في السابق.

وسوف تكون السنة المقبلة حاسمة. فبالإضافة إلى القمم المنتظمة بين الاتحاد الأوروبي والصين في بكين في شهر إبريل/نيسان، سيعقد رؤساء الصين ودول أوروبا اجتماعا خاصا في لايبزيج في ألمانيا في شهر سبتمبر/أيلول المقبل. وسوف يكون الاختبار المهم للعلاقة هو ما إذا كان بإمكان القوتين إبرام اتفاق استثماري شامل بعد أكثر من ست سنوات من بدء المفاوضات. ونظرا لفرص الحوار الوشيكة هذه، فإن الاتحاد الأوروبي يستطيع أن يلاحق هدف المشاركة الاستراتيجية، بدلا من المواجهة الموسعة مع الصين. لكن رقصة التانجو تحتاج إلى راقصين اثنين، وسوف يتوقف الكثير على كيفية تطور السياسات الصينية في هذه الأثناء.

إذا نحينا جانبا مسائل التجارة والاستثمار، فيتعين على الاتحاد الأوروبي أن يكون أقل رضا عن ذاته في ما يتصل بالتحديات الأمنية التي تفرضها الصين. وينبغي لدول الاتحاد الأوروبي أن تزيد من رحلاتها التي تهدف إلى تشجيع حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان. ومن الواضح أن هناك حاجة إلى المزيد من التدقيق في اعتماد أوروبا التكنولوجي المتزايد على الصين في مجالات حيوية مثل البنية الأساسية للجيل الخامس من الاتصالات.

ومع ذلك فإن أفضل استجابة أوروبية في التعامل مع قوة الصين التكنولوجية المتنامية تتمثل في اكتساب المزيد من القدرة التنافسية بالاعتماد على الذات. وإذا فشل الاتحاد الأوروبي في هذه المهمة، فلن يكون أي حاجز مرتفعا بالقدر الكافي لحمايته من نفوذ الصين المتنامي. ولا ينطبق هذا على أوروبا فحسب، بل وأيضا الولايات المتحدة في الأمد البعيد.

لقد توقع قِلة من المراقبين تحول الصين على نحو مفاجئ إلى ديمقراطية تامة النضج بعد انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001. ولكن كان من المخيب للآمال أن نشهد التحول القمعي الذي طرأ على الصين على مدار العقد الماضي. فلا تزال المؤسسات المملوكة للدولة هي المفضلة، ولا تزال الكتب تُحرَق، ولا يزال الحزب الشيوعي الصيني يؤكد سيادته في شتى مجالات الحياة الصينية. ولا أحد يستطيع أن يجزم إلى متى قد تستمر هذه الحال. فالأسر الحاكمة تأتي وتذهب، ولكن في عام 2021 سيحتفل الحزب الشيوعي الصين بالذكرى المئوية لتأسيسه. وفي عهده، تأرجحت الصين بين نماذج شديدة الاختلاف للتنمية.

مهما حدث فإن الصين لن تختفي، ويتطلب التصدي للقضايا العالمية، من تغير المناخ إلى تفكك النظام التجاري العالمي، مشاركتها الفاعلة. وعلى هذا فإن سياسة المشاركة الاستراتيجية الحاسمة والبنّاءة تبدو الطريقة الأكثر منطقية للتقدم إلى الأمام من جانب الاتحاد الأوروبي. وملاحقة مثل هذه السياسة في الحوار مع الولايات المتحدة من شأنها أن تعود على الجميع بفوائد جمة. ولكن في نهاية المطاف، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يختار مساره.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

https://prosyn.org/GaiO2Mxar;