0

القطاع الخاص ولغز الخصوصية

نيويورك ــ تُرى لماذا تشكل الخصوصية مثل هذا التحدي للشركات الخاصة؟ (الحكومات لديها مشاكلها الخاصة، ولكن تلك قصة أخرى). بعيداً عن قوانين الخصوصية، يتعين على الشركات أن تتكيف مع توقعات العملاء المتفاوتة، وأن تتعامل مع منافسين يتمتعون بدرجات متفاوتة من النزاهة، وعلاقات متعددة تشكل سياق تبادل البيانات.

ولا تتعلق الخصوصية بمن يعرف ماذا عنا فحسب، بل وأيضاً بشعورنا حيال ذلك. والواقع أن العديد من المخاوف المتعلقة بالخصوصية تستند إلى مصالح ملموسة، مثل الحفاظ على الأمن المالي أو حجب المعلومات التي قد تضر بعمل المرء أو قدرته على التأهل للتأمين الصحي المعقول التكلفة. ولكن هناك أيضاً جانباً أكثر شخصية في الأمر: التوتر القائم بين رغبة المرء في أن يكون معروفاً ورغبته في حماية أسراره، سواء كانت محرجة أو حميمة.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

عندما ذَكَر لي المؤسس المشارك لإحدى الشركات التي استثمر فيها أن شخصاً مشهوراً أعرفه شخصيا اشترك في الخدمة، فكان أول ما فكرت فيه هو أن أبعث إليه برسالة ودية. غير أنني بدأت أتساءل ما إذا كان قد يشعر بالارتياح عندما يعرف أن آخرين علموا باستخدامه لخدمتنا (ولو أنها عبارة أن أداة عمل بسيطة). فهو بطبيعة الحال يثق في الشركة بالقدر الكافي لمنحها الحق في الوصول فنياً إلى البيانات الخاصة بعمله، والتي تضمن له شروط الخدمة التي تقدمها الشركة أنها لن تُعرَض أو تستخدم من قِبَل الغير. ولكن هل تتسبب حقيقة اطلاع آخرين على هويته كمستخدم في تقويض هذه الثقة؟

تستخدم الشركة أداة تسمى "الاتصال الداخلي" (Intercom)، والتي تسمح لأي مشغل لموقع على شبكة الإنترنت بالتعرف على عملائها من خلال عناوين بريدهم الإلكتروني، أو هوياتهم على الفيس بوك، أو غير ذلك. وهناك العديد من خدمات "علاقات العملاء" كهذه، والتي تعتمد على مصارد للبيانات تضاهي اسم المستخدم وعنوان البريد الإلكتروني باستخدام وسائل غير محددة. ولعل أغلب الناس لا يدركون مثل هذه الممارسات ــ ولو أن أغلبهم عند هذه النقطة من غير المرجح أن تصدمهم مثل هذه المعلومة. (فأنا شخصيا، فوجئت بعض الشيء ــ بقدر ما فوجئت عندما علمت بقيام وكالة الأمن القومي في الولايات المتحدة بجمع البيانات على نطاق واسع).

ويريد بعض عملاء خدمة الاتصال الداخلي أن يعرفوا كم عدد متابعي التغريدات لدى مستخدميها، لكي يتسنى لهم تحديد قيمتهم المحتملة كأشخاص "مؤثرين". وبمجرد أن تتعرف أي شركة على المستخدمين من ذوي القدر الأكبر من التأثير ــ أصحاب المدونات المعروفين على سبيل المثال ــ فقد تعرض عليهم معاملة أفضل، على أمل أن يرشحوا خدمتهم لآخرين. وقد ترغب المواقع البادئة على الإنترنت مراجعة بيانات مستخدميها على قاعدة بيانات قائمة آنجل للمستثمرين الممولين للشركات البادئة، باعتبارهم مصدراً محتملاً للتمويل.

وقد يستخدم آخرون خدمات مثل الاتصال الداخلي لتكوين رؤية واضحة لاهتمامات مستخدميها ــ من تفضيلاتهم في الموسيقى إلى هواياتهم المفضلة ــ من أجل تقديم خدمات أكثر تخصيصا. والواقع أن العديد من الخدمات على الإنترنت تقدم الآن إمكانية ربط المستخدمين بأصدقائهم على الفيسبوك أو لينكدين، أو ترشيح أنشطة أو مطاعم استناداً إلى سلوك المستخدم في الماضي أو موقعه الحالي.

ولا يرغب بعض الناس في مثل هذا النوع من الاهتمام، سواء لأنهم من الشخصيات المعروفة بالفعل ويحاولون صد المعجبين أو المتطفلين، أو لأنهم ببساطة لا يشعرون بالارتياح لمعرفة كيانات غير معروفة الكثير عنهم. ولكن بالنسبة للعديد من ��لمستخدمين العاديين، قد يكون هذا التعرف قيماً وموضع تقدير، حتى ولو لم يكن مصحوباً بهدايا أو فوائد خاصة. والسؤال هو كيف يمكن التمييز بين المجموعتين. الواقع أن الإجابة بسيطة، فما عليك إلا أن تسأل العميل: "كيف لنا أن نستخدم المعلومات التي تزودنا بها، أو التي نتلقاها من خدمات مثل الاتصال الداخلي؟". ولكن المشكلة هي أن أغلب الشركات تفضل عدم إثارة هذه القضية، بعداً عن المشاكل.

وينبغي لهذه الشركات أن تدرك أنها بمرور الوقت قد لا تتمكن من الصمود في مواجهة تيار ثابت من الزلات المتصلة بمسألة الخصوصية ــ سواء كنتيجة لأخطاء من جانبها أو اعتبارها مذنبة كشريكة ــ والقواعد المتغيرة باستمرار. (وبهذا المعنى فإن فيسبوك تشكل استثناءً نادرا). وفي حين قد يتطلب الأمر بذل المزيد من الجهد والتعرض للحرج لمعرفة ماذا يريد العملاء، فإن الشركات التي تفعل هذا بطريقة مباشرة ومنفتحة سوف تستفيد في الأمد البعيد.

لا شك أن مثل هذا الانفتاح يحمل في طياته بعض المخاطر. على سبيل المثال، قد يقرر بعض الناس، المنزعجين إزاء كم المعلومات التي يتم جمعها عنهم، الامتناع عن استخدام مثل هذه الخدمات. وبالنسبة لهم فإن التعرف عليهم من قِبَل أشخاص عاديين قد يكون مقبولا ــ بل وحتى مرغوبا ــ ولكن من قِبَل أجهزة كمبيوتر قد يكون مرعباً ولا يضيف إليهم جديدا.

يقص علينا فيلم "هي" حكاية رجل ــ يمتهن مهنة كاتب الرسائل لأشخاص لا يمكنهم كتابة رسائلهم بأنفسهم ــ يتوقع في وقت قريب أن يستولي على حرفته جيل جديد من أنظمة التشغيل الآلية القادرة على التعلم بسرعة وبشكل شامل حتى أنها سرعان ما قد تفوق قدرة أي إنسان بمفرده من حيث المعرفة المتراكمة. ثم يقع بطل الفيلم في حب أحد أنظمة التشغيل هذه ويسمى "هي". وتبادله "هي" الحب أيضا ــ فضلاً عن 640 آخرين من بين 8316 شخصاً تعمل معهم. ولكن البطل لا يشعر بالارتياح إزاء هذا المستوى من الاهتمام المشترك، خاصة وأنها تعرف أدق التفاصيل الحميمة عنه. كانت "هي" ــ جهاز الكمبيوتر ــ أشبه بالبشر بالقدر الكافي للفوز بحبه، ولكنها غير قادرة على تلبية توقعاته في ما يتعلق بهذا الحب.

وبالتالي فإن التحدي يتلخص في بناء أنظمة توحي بقدر لائق من العلاقة الشخصية، من دون أن تجعل المستخدمين يشعرون بعدم الارتياح أو انتهاك خصوصيتهم. وفي الوقت ذاته، لا يجب تقديم هذه الأنظمة باعتبارها أكثر بشرية من حقيقتها. وإلا فإن توقعات المستخدمين سوف تصبح منفصلة عن ما تستطيع الشركة تقديمه بالفعل.

ولكن هناك تعقيد آخر: ذلك أن بعض الناس يطلبون "الخصوصية" من أنفسهم. فهناك نوع من الناس الذين يحبون تغطية رؤوسهم الصلعاء بإطالة بعض شعرهم من جانب الرأس، ويصرون على إقناع الجميع ــ بما في ذلك أنفسهم ــ بأنهم لا يعانون من الصلع. وقد أخبرني مندوب مبيعات ذات يوم بأن العديد من الناس، برغم استعدادهم لإطلاع الطبيب على وزنهم، لا يرغبون في النظر إلى أرقام محددة بأنفسهم. ويبدو أن واقعية مثل هذه البيانات تخيفهم.

وهناك مثال آخر: ففي الاحتفال بذكرى مرور عشر سنوات على إنشاء موقع فيسبوك، عرضت شركة تايم إنك تقييم المتابعات الإخبارية للمستخدمين بهدف تقدير كم الوقت الذي أهدروه على الموقع. وفي حين شعر كثيرون بالفضول، فأنا على يقين من أن كثيرين فضلوا عدم مواجهة الحقائق.

Fake news or real views Learn More

إن الخصوصية أمر شخصي. وباستخدام خدمة ما، يدخل أي شخص فعلياً في علاقة مع مقدم هذه الخدمة. ويتعين على مقدمي الخدمة أن يدركوا أن مستخدمي خدمتهم سوف يتوقعون الشفافية والاحترام والاهتمام الخاص الذي يشكل قيمة أساسية لأي علاقة.

ترجمة: مايسة كامل Translated by: Maysa Kamel