20

الليبراليون إلى المتاريس

سانتياجو- من النمسا وفرنسا والولايات المتحدة الإمريكية إلى بولندا والفلبين وبيرو يتصاعد نجم الشعوبيين غير الليبراليين والبعض يلوم العولمة الخارجة عن السيطرة وآخرون يلومون إنعدام المساواة ولكن ما يزال هناك من يلقي اللوم على النخب المنعزلة عن الناس والذين بكل بساطة لا يفهمون الواقع.

إن هذه التفسيرات وإن كانت تبدو مقنعة لا تستوعب النقطة الأهم والأكبر وهي إن المشكلة سياسية وليست فقط إقتصادية فالديمقراطية الليبرالية هي الإنجاز السياسي الأعظم للبشرية ولكن الديمقراطيين الليبراليين حول العالم يترددون في الدفاع عنها ولا عجب أنهم يخسرون المعركة من أجل  الفوز بقلوب وعقول الناس .

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

إن المشكلة ليست جديدة بالمرة ففي واقع الأمر المشكلة تكمن في جوهر الليبرالية فالمفكرون الليبراليون المعارضون للرقابة أو القمع عادة ما يلجأون للحياد الإخلاقي فهم لا يؤيدون مجموعة قيم محددة أو تعريف محدد للحياة الجيدة فالمجتمع الليبرالي يمكن مواطنيه من إختيار أسلوب الحياة الذي يناسبهم طالما الأطراف الأخرى لا تعاني بسبب ذلك .

إن المشكلة هي أن السياسة في كل مكان تتبع مدرسة أرسطو والمتمثلة في أهمية الفضيلة فالأمريكيون محقون عندما يشيرون إلى رئاستهم كمنبر للتعبير عن القضايا فالسياسيون الذين يدافعون عن مجموعة محددة من القيم-أو الفضائل – يستمع الناخبون إليهم .

إن من الممكن القيام بذلك بأسلوب أخرق مثل عندما قبل جو كيري الترشيح الرئاسي للحزب الديمقراطي سنة 2004 بخطاب كرر فيه كلمة " قيمة" أو "قيم " 32 مرة ولكن من الممكن القيام بذلك بإسلوب راق مثل عندما قام روبرت ف كيندي الإبن بتوبيخ الإمريكيين على " التخلي عن التميز الشخصي وقيم المجتمع من أجل الأمور المادية " وأضاف بأن "الناتح المحلي الإجمالي يقيس كل شيء بإستثناء ما يجعل الحياة ذات قيمة وتستحق الإهتمام ".

لقد سعى الفلاسفة من جون ستيورت ميل إلى جون راولز ومارثا نوسباوما لإيجاد طريق للخروج من  مأزق الليبرالية. إن الترويج لمجموعة محددة من القيم الدينية أو غيرها أو فرض تلك القيم هو عمل ينم عن إنعدام الليبرالية وينطوي على التمييز ولكن يتوجب على الحكومات والقادة السياسيين دعم قيم مشتركة –القيم التي أطلق عليها راولز لفظ " الإجماع المتداخل" – تحدد ماهية المجتمع الليبرالي فعلى سبيل المثال فإن قيام الولايات المتحدة الإمريكية بالإحتفال بعيد ميلاد مارتن لوثر كنغ الأبن يعيد تركيزها على القيمة المثالية المشتركة والمتمثلة في المساواة العرقية.

لقد كان كنغ نفسه هو الذي أعطانا أفضل مثال للدفاع عن القيم والمثل بحماسة وهناك قلة من الناس تشبهه في ذلك فالشعبويون مثل دونالد ترامب وزعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية ماريان لوبين يستخدمون الحماسة في خدمة سياسة الخوف والكراهية وعلى النقيض من ذلك فإن الديمقراطيين الليبراليين الذين هم نتاج الفكر التنويري يدعون لمثلهم وقيمهم السياسية – والتي تقدر المنطق البشري فوق العواطف البدائية- بنبرة تتناسب مع التجمعات الصغيرة والمؤدبة.

إن هذه مشكلة خطيرة ولقد كتبت ناسباوم أن " التخلي عن معركة تشكيل العواطف للقوى المعادية لليبرالية يعطيها ميزة كبيرة في قلوب الناس ويخاطر بجعل الناس ينظرون للقيم الليبرالية على إنها فاترة ومملة "

إن المنطق والعاطفة كما يخبرنا علماء الأعصاب مثل ستيفن بينكر هما وجهان لعملة واحدة كما أستنتج عالم اللغويات الإدراكي جورج لاكوف بالإعتماد على أبحاث عالم النفس درو ويستون بإن " العاطفة مركزية ومشروعة فيما يتعلق بالإقناع السياسي وإستخدامها لا يعتبر عملا غير مشروع يستدعي اللاعقلانية حيث أن الفكر العقلاني ينطوي على العاطفة فالعواطف الصحيحة هي منطقية ".

لقد كان كينغ يفهم ذلك جيدا عندما أعلن عن "حلمه " بمجتمع لا يتم الحكم على الأطفال فيه "على أساس لون جلدهم بل على أساس محتوى شخصيتهم ".

أما اليوم فإن الرئيس الأمريكي باراك أوباما هو القائد الديمقراطي الليبرالي الوحيد الذي يتكلم لغة القيم والفضيلة وعادة ما يتم إنتقاد أوباما لكونه بارد ومنعزل ولكن هذا لا ينعكس في ترويج أوباما لفكرة العيش معا بسلام وبإحترام متبادل على أساس كون ذلك هو الفضيلة الليبرالية الأكثر إثارة للإعجاب على الإطلاق .

لقد قال في الخطاب بعد إنتصاره في الإنتخابات الرئاسية سنة 2012 " كل منا لديه معتقدات راسخة وعندما نمر بأوقات عصيبة ونتخذ قرارات كبيرة كبلد فبالضرورة ستثير تلك القرارات العواطف والخلافات " ولقد أطلق أوباما على ذلك " دليل على حريتنا " ولكن " على الرغم من جميع تلك الإختلافات بيننا فإن معظمنا يشترك بآمال محدة لمستقبل أمريكا 000 نحن نؤمن بإمريكا سخية ورحيمة ومتسامحة ومنفتحة لإحلام إبنة مهاجر تدرس في مدارسنا وتتعهد بالولاء لعلمنا ".

إن السطر الأخير يعكس أن أوباما يدرك أيضا التحدي الآخر الذي يتوجب على الديمقراطيات الليبرالية التغلب عليه وهو " إعادة تشكيلنا بشكل ينطوي على المصداقية ". إن مثال الشعبويين هو مرة أخرى مثال معبر فالشعبويون من الجناح اليميني مثل ترامب ينخرطون في سياسات تحديد الهوية والشعبويون من الجناح اليساري مثل بيرني ساندرز ينخرطون في سياسات الدخل وسواء كان الآخرون هم المصدرون الصينيون أو المهاجرون المكسيكيون أو الإرهابيون المسلمون المفترضون أو المصرفيون الطماعون فإن هناك وكما قال داني رودريك من جامعة هارفارد مؤخرا توجه واضح لتوجيه الغضب نحو هولاء " الآخرون ".

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

يحتاج الديمقراطيون الليبراليون لإن يوضحوا بإننا لن نحقق شيئا عن طريق لوم الآخرين وبإن المسؤولية المشتركة هي أفضل طريقة لبناء مستقبل مشترك أفضل وبالطبع فإن الإصلاحات الإقتصادية والسياسية التي تقلل من إنعدام المساواة في الدخل والسلطة لا غنى عنها من أجل مصلحتهم الخاصة ومن أجل جعل الدعوة لتضحيات مشتركة ذات مصداقية ولكن الشيء الذي لا غنى عنه كذلك هو القناعة الإخلاقية والتي يتم التعبير عنها بشكل عاطفي  بحيث تشعر " إبنة المهاجر التي تدرس في مدارسنا " بإنها عضو أصيل وبحقوق كاملة "معنا ".

لا توجد مؤسسة إجتماعية أو سياسية في التاريخ الإنساني إقتربت من تحقيق القيمة المثالية المتعلقة بتساوي الفرص للجميع مقارنة بالديمقراطية الليبرالية ونحن لم نحقق ذلك بعد ولكننا قطعنا شوطا طويلا علما إنه بإستمرارنا بالإلتزام بقيم الديمقراطية الليبرالية فإننا سنقطع أشواطا أطول ويجب أن لا يسمح لأي جهادي أو متعصب أو ترامب أو تشافيز أو ماديرو أو بوتين بتحطيم ذلك الحلم الممكن .