bildt90_ OLI SCARFFAFP via Getty Images_variant OLI SCARFF/AFP via Getty Images

تهديد الـمتحوّرات حقيقي

ستوكهولم ــ مضى من الزمن الآن نحو ثمانية عشر شهرا منذ جرى تحديد تسلسل فيروس SARS-CoV-2 لأول مرة في الصين. في غضون شهر بعد ذلك، أعلنت منظمة الصحة العالمية أعلى حالات التأهب، مُـعـتَـبِـرة فاشية مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) حالة طوارئ صحية عامة ذات أبعاد دولية. وبعد أسابيع، أعلنت منظمة الصحة العالمية الجائحة. حتى الآن، لا نزال بعيدين عن نهاية الأزمة. بل على العكس من ذلك، دخلنا مرحلة جديدة خطيرة في تطورها.

في حين بدأت حالة من التراخي والرضا عن الذات بين البلدان الأكثر ثراء والأكثر تطعيما لسكانها، تحلق سحابة من اليأس فوق البلدان الأدنى دخلا التي تفتقر إلى الوسائل اللازمة لمكافحة متحوّرات الفيروس الجديدة. بعد إصدار تقارير تفيد انخفاض أعداد الإصابات الجديدة لسبعة أسابيع متعاقبة، تسجل منظمة الصحة العالمية الآن زيادة في أعداد حالات الإصابة المؤكدة في كل مكان تقريبا. في تحديثها الأسبوعي لتقرير الحالة الوبائية في السادس من يوليو/تموز، على سبيل المثال، وجدت المنظمة أن هناك زيادة بنسبة 30% في حالات الإصابة بكوفيد-19 في أوروبا، حتى برغم أن الاتحاد الأوروبي سَـلَّـمَ ما يكفي من جرعات اللقاح لتحصين 70% من كل البالغين.

السبب وراء هذه الطفرة العالمية الجديدة معروف تماما. يُـعَـد المتحور دلتا، الذي جرى رصده في 111 دولة الآن، أشد عدوى بشكل ملحوظ من السلالات السابقة من SARS-CoV-2، وهو ينتشر بسرعة شديدة. يُـذَكِّـرنا ظهور متحورات جديدة بأننا نتعامل مع كائن حي قادر على التطور، وسوف يتطور، في الاستجابة للتدابير (وأنصاف التدابير) التي نستخدمها لمحاربته.

في حين كان المتحوران ألفا وبيتا أقل صعوبة وتعقيدا، فقد أثبت المتحور دلتا كونه شديد الشراسة، ولا أحد يستطيع أن يجزم بما قد تجلبه لنا الطفرات المتحورة في المستقبل. الأمر الوحيد المؤكد هو أن ظهور متحورات جديدة أمر لا مفر منه مع تفشي الفيروس في مختلف أنحاء العالم.

مع تزايد نسبة السكان الذين يتلقون اللقاحات في أوروبا وأميركا الشمالية، يجري تخفيف عمليات الإغلاق، وإلزام ارتداء الأقنعة، وغير ذلك من التدابير، مما يؤدي إلى نتائج مؤسفة لكنها متوقعة. اضطر رئيس الوزراء الهولندي مارك روته مؤخرا إلى الاعتذار بعد ارتفاع معدل الإصابة بعدوى المرض بسرعة في بلاده، ومن غير المرجح أن يكون آخر زعيم يجد نفسه في مثل هذا الموقف.

ما يزيد الطين بلة أن البلدان الغنية لا تزال عازفة عن زيادة جهودها وتقديم المساعدة. بعد اجتماعات متعددة لمجموعة السبع ومجموعة العشرين، لم يغلق المجتمع الدولي فجوة التمويل بقيمة 16 مليار دولار لمرفق التعجيل بالوصول إلى أدوات كوفيد-19، ألية التنسيق الدولية للوصول العادل إلى اللقاحات. الواقع أن هذا المبلغ ضئيل للغاية مقارنة بتريليونات الدولارات التي تُـنفَـق لدعم الاقتصادات الوطنية.

Subscribe to Project Syndicate
Bundle2021_web4

Subscribe to Project Syndicate

Enjoy unlimited access to the ideas and opinions of the world's leading thinkers, including weekly long reads, book reviews, topical collections, and interviews; The Year Ahead annual print magazine; the complete PS archive; and more. All for less than $9 a month.

Subscribe Now

ورغم أن البلدان الغنية أصبحت راضية عن ذاتها، فإن العديد من البلدان الأخرى تزداد يأسا، بسبب نقص اللقاحات، وأجهزة التنفس، والأكسجين، وإمدادات الاختبار والتسلسل. ومع انتشار المتحور دلتا، أصبحت في حالة من التخبط. في السادس من يوليو/تموز، حَـذَّر توجيه فني صادر عن منظمة الصحة العالمية بشأن كوفيد-19 من أن هناك أكثر من 20 دولة "تشهد نموا هائلا في حالات الإصابة... في مختلف مناطق العالم". ولأن معدلات التطعيم في العديد من هذه البلدان منخفضة، فمن المؤكد أن هذا سيتبعه ارتفاع في حصيلة الوفيات.

في مجمل الأمر، تم تطعيم ما يقرب من ربع سكان العالم. قد يبدو هذا تقدما مبهرا؛ لكن التوزيع كان منحرفا بشكل صارخ وعلى نحو غير أخلاقي لصالح البلدان الأكثر ثراء. علاوة على ذلك، تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن إنهاء الجائحة يستلزم تطعيم 70% من سكان العالم. وهذا يعني أن الطريق لا يزال طويلا.

صحيح أن إنتاج اللقاحات يتزايد بسرعة، ويتحدث قادة صناعة الأدوية عن إنتاج نحو 11 مليار جرعة (العدد المطلوب لمعدل تحصين عالمي 70%) هذا العام. لكن هذا المدد سيأتي بالإضافة إلى 3 إلى 4 مليارات جرعة يحتاج إليها العالم سنويا بالفعل من اللقاحات الضرورية لمكافحة أمراض أخرى. من الأهمية بمكان أن نؤكد هنا أن إنتاج لقاحات كوفيد-19 عملية معقدة. يتطلب إنتاج لقاح فايزر/بيونتِك على سبيل المثال توفير 280 مُـدخلا من موردين في 19 دولة. وقد استلزم تعزيز إنتاجه إبرام 200 اتفاقية جديدة غير مسبوقة لنقل التكنولوجيا.

بينما تُـبـذَلَ جهود جيدة في منظمة الصحة العالمية ومنظمة التجارة العالمية لتسهيل إبرام المزيد من هذه الأنواع من الترتيبات، تظل القيود التجارية وقومية اللقاحات تمثل مشكلة خطيرة. لاحظت منظمة التجارة العالمية مؤخرا أنه في حين انخفض عدد القيود التجارية المؤثرة على إنتاج اللقاحات من 109 عند اندلاع الجائحة، فلا يزال هناك 53 من البنود التي تتسبب في إبطاء الزيادة المأمولة في الإنتاج.

من ناحية أخرى، هناك حاجة ماسة إلى المزيد من الأكسجين لتجنب تكرار المأساة التي شهدناها في الهند. توسطت مؤسسات متعددة الأطراف ومنظمات غير حكومية في إبرام اتفاقيات مهمة مع موردين عالميين رئيسيين، لكن الأمر يتطلب المزيد من الجهد لمواكبة الاحتياج المتزايد في مختلف أنحاء أفريقيا وأجزاء من آسيا.

كما تُـعَـد مستلزمات الاختبار والتسلسل شديدة الأهمية، سواء لإدارة الفاشيات أو رصد واكتشاف المتحورات الجديدة وفهمها بسرعة. بالإضافة إلى "المتحورات المثيرة للقلق" الأربعة الحالية، تراقب منظمة الصحة العالمية أربعة "متحورات مهمة" أخرى، أحدها ــ المتحور لمبادا ــ موجود الآن في 29 دولة.

تشهد مشكلة المتحورات على الطبيعة العالمية التي تتسم بها هذه الأزمة. ورغم التعرف على الفيروس لأول مرة في الصين، فقد جرى التعرف على المتحورات الأربعة المثيرة للقلق في مناطق متباعدة، في جنوب أفريقيا، والبرازيل، والمملكة المتحدة، والهند. كُـشِـفَ عن المتحور لمبادا لأول مرة في بيرو. ولأن المتحور التالي قد يأتي من أي مكان، فإن الوقت الآن ليس مناسبا لتخفيف استجابتنا. وإذا كان لنا أن نتمكن من تجنب الموجات المتعاقبة من المتحورات الجديدة، فيتعين علينا أن نضاعف جهود التطعيم العالمية.

هذا اختبار للقيادات السياسية. ويتعين على كل الحكومات أن تتعامل بجدية شديدة مع حقيقة مفادها أن "لا أحد سيكون بمأمن قبل أن يصبح الجميع آمنين". الواقع أن النجاحات الوطنية في دحر الجائحة قد تنقلب إلى فشل بسرعة بسبب الإخفاقات الوطنية في مكافحتها في أماكن أخرى. ولا ينبغي لنا أن ننتظر إلى أن ندرك هذه الحقيقة بالطريقة الصعبة.

ترجمة: مايسة كامل            Translated by: Maysa Kamel

https://prosyn.org/fWeYP5Zar