The newly-built Chinese-funded port in Hambantota Ishara S.KODIKARA/AFP/Getty Images

إمبريالية الدائن الصينيه

برلين-لقد قامت سيرلانكا هذا الشهر بعد ان فشلت في دفع الدين الباهظ والمتعب الذي تراكم عليها لمصلحة الصين وبشكل رسمي بتسليم ميناءها الذي يتمتع بموقع استراتيجي هامبانتوتا الى العملاق الصيني حيث شكل هذا إستحواذا كبيرا  لمبادرة الحزام والطريق الصينيه والتي اطلق عليها الرئيس تشي جينبينغ "مشروع القرن" مما يدل على فعالية دبلوماسية فخ الدين الصينيه.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

إن القروض الصينيه بخلاف قروض صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يتم ضمانها من خلال اصول طبيعيه ذات اهميه استراتيجيه وتتمتع بقيمه عاليه على المدى الطويل ( وحتى لو لم تكن ذات جدوى اقتصاديه على المدى القصير). ان هامبانتوتا على سبيل المثال تتوسط طرق تجارة المحيط الهندي والتي تربط اوروبا وافريقيا والشرق الاوسط بآسيا علما ان الصين تطلب في مقابل تمويل وبناء البنيه التحتيه التي تحتاجها الدول الاكثر فقرا معامله تفضيليه من اجل الحصول على مواردها الطبيعيه وذلك من الموارد المعدنيه الى الموانىء.

بالاضافة الى ذلك وكما يظهر بوضوح من التجربه السيرلانكيه فإن التمويل الصيني يمكن ان يكبل البلدان "الشريكه" وعوضا عن تقديم المنح او القروض الميسره ، تقوم الصين بتقديم ديون ضخمة مرتبطه بالمشروع بأسعار السوق بدون شفافيه أو تقييم يتعلق بالتأثيرات البيئيه او الاجتماعيه للمشروع وكما قال وزير الخارجيه الامريكي ريكس تيلرسون مؤخرا فيما يتعلق بمبادرة الحزام والطريق الصينيه فالصين تهدف الى تحديد " قواعد وأعراف خاصه بها ".

ومن أجل تعزيز موقفها بشكل اكبر قامت الصين بتشجيع شركاتها على تقديم العروض للشراء الصريح للموانىء الاستراتيجيه ان امكن ذلك. إن ميناء بيرايوس على البحر الابيض المتوسط والذي حصلت عليه شركه صينيه مقابل مبلغ 436 مليون دولار امريكي من اليونان المفلسه في العام الماضي يهدف لإن يكون "رأس التنين " لمبادرة الحزام والطريق في أوروبا.

تسعى الصين من وراء ممارسة نفوذها المالي بهذه الطريقه الى ضرب عصفورين بحجر واحد. أولا، هي تريد التعامل مع مسألة زيادة الانتاج في الصين من خلال تعزيز الصادرات وثانيا تأمل الصين بتعزيز مصالحها الاستراتيجيه بما ذلك توسيع نفوذها الدبلوماسي وتأمين الحصول على الموارد الطبيعيه والترويج للإستخدام العالمي لعملتها وإكتساب افضليه نسبيه مقارنة بالقوى الاخرى.

إن النهج "المفترس" للصين وتبجحها بالحصول على هامبانتوتا يدعو للسخريه فالصين من خلال علاقاتها مع دول أصغر مثل سيرلانكا تقلد الممارسات التي استخدمت ضدها آبان الحقبه الاستعماريه الاوروبيه والتي بدأت بحروب الأفيون 1839-1860 وانتهت باستيلاء الشيوعيين على الحكم سنة 1949 وهي الفتره التي تصفها الصين بمراره "بقرن الاذلال".

لقد قامت الصين بتصوير استعادة سيادتها على هونغ كونغ سنة 1997 بعد اكثر من قرن من الادارة البريطانيه على انه تصحيح لإحد المظالم التاريخيه ولكن يتضح من موضوع هامبانتوتا أن الصين تقوم الان بتأسيس ترتيبات استعماريه جديده خاصة بها تشبه ما كان عليه الحال في هونغ كونغ حيث يتضح ان وعد الرئيس تشي "التجديد العظيم للأمه الصينيه " لا يمكن فصله عن تآكل سيادة الدول الأصغر.

وكما قامت الدول الاستعماريه الاوروبيه بتطبيق دبلوماسيه القوة العسكريه من اجل فتح اسواق جديده وبؤر استيطانيه ،تقوم الصين بإستخدام الدين السيادي من اجل اخضاع الدول الاخرى لرغبتها بدون الحاجه لإن تطلق رصاصه واحده ومثل الافيون الذي قامت بريطانيا بتصديره للصين فإن القروض السهله التي تقدمها الصين هي مصدر للإدمان ولإن الصين تختار مشاريعها طبقا لقيمتها الاستراتيجيه على المدى البعيد فقد تكون عوائدها على المدى القصير غير كافيه للبدان من اجل تسديد ديونها. إن هذا يعطي الصين نفوذا قد تستخدمه على سبيل المثال في اجبار المقترضين على استبدال الدين بالإسهم مما يوسع من النفوذ الصيني على المستوى العالمي وذلك من خلال جعل المزيد من البلدان تسقط في فخ خدمة الدين.

حتى بنود عقد استئجار ميناء هامبانتوتا لمدة 99 عاما تشبه البنود التي تم استخدامها لإجبار الصين على تأجير موانئها للقوى الاستعماريه الغربية فلقد قامت بريطانيا بإستئجار ذا نيو تيريتوريز من الصين لمدة 99 عاما سنة 1898 مما تسبب في توسعة يابسة هونغ كونغ بمقدار 90% ولكن تم تحديد مصطلح 99 عاما فقط لمساعدة سلالة مانشو كينغ الصينيه على انقاذ ماء الوجه ولكن في الواقع كان يعتقد ان كل تلك الإستحواذات ستكون دائمه.

تقوم الصين الان بتطبيق مفهوم العقد الاستعماري لمدة 99 عاما في الاراضي النائيه فإتفاقية الاستئجار الصينيه المتعلقة بهامبانتوتا والتي تم التوصل اليها هذا الصيف تتضمن وعدا بإن تقوم الصين بتخفيض مبلغ 1،1 مليار دولار امريكي من دين سيرلانكا وفي سنة 2015 قامت شركه صينيه بعمل عقد استئجار لمدة 99 عاما فيما يتعلق بميناء داروين للمياه العميقه في استراليا –يوجد في ذلك الميناء 100 جندي من قوات المارينز الامريكيه- مقابل مبلغ 388 مليون دولار امريكي.

وبالطريقة نفسها وبعد إقراض مليارات الدولات لجيبوتي المثقله بالديون ، قامت الصين في هذا العام بتأسيس أول قاعده عسكريه صينيه ما وراء البحار في تلك الدوله الصغيره والاستراتيجيه وفقط على بعد اميال قليله من قاعده بحريه امريكيه وهي المنشأه العسكريه الدائمه الوحيده لإمريكا في أفريقيا. إن جيبوتي التي تعاني من ازمة ديون لم يكن لديها اي خيار سوى تأجير أراضي للصين مقابل مبلغ 20 مليون دولار امريكي سنويا كما قامت الصين باستخدام نفوذها في تركمانستان من اجل تأمين الغاز الطبيعي من خلال خط انابيب وبشكل عام طبقا للشروط الصينيه .

إن هناك عدة دول اخرى من الارجنتين الى ناميبيا ولاوس متورطين في فخ الدين الصيني مما يجبرها على مواجهة خيارات مؤلمه من اجل تجنب التقصير في السداد فديون كينيا الثقيله للصين تهدد الان بتحويل ميناءها النشط مومباسا –بوابة شرق افريقيا- الى هامبانتوتا اخرى .

إن هذه التجارب يجب ان تتكون بمثابة تحذير بإن مبادرة الحزام والطريق الصينيه هي في واقع الأمر مشروع استعماري يستهدف إستحضار المملكة الوسطى الأسطوريه. إن الدول التي وقعت في فخ عبودية الدين للصين تخاطر بخسارة  أثمن  اصولها الطبيعيه وحتى خسارة سيادتها فالقفاز المخملي للعملاق الإمبريالي يخفي قبضه حديديه وهي قبضه لديها قوة كافيه لخنق الدول الصغيرة من اجل وقف حيويتها ونشاطها.

http://prosyn.org/43jgQOj/ar;

Handpicked to read next