21

الدبلوماسية الصينية وفخ الديون

نيودلهي- إن أكثر ما تفوَّق فيه قادةُ الصين على أنفسهم هو استخدام الأدوات الاقتصادية لتعزيز المصالح الجيوستراتيجية لبلادهم، فمن خلال مبادرة "حزامٌ واحدٌ- طريقٌ واحدٌ" التي تكلفت تريليون دولار، تدعم الصين مشاريع البنية التحتية في الدول النامية ذات الموقع الإستراتيجي، وذلك غالبًا عن طريق تقديم قروضٍ ضخمةٍ إلى حكومات تلك الدول، وبالتالي تقع تلك الدول في فخ الديون مما يجعلها عُرضة للوقوع تحت نفوذ الصين.

ومما لا شك فيه أن تقديم القروض من أجل مشاريع البنية التحتية ليس بالأمر السيئ في حد ذاته، ولكن المشاريع التي تدعمها الصين لا تهدُف عادةً إلى دعم الاقتصاد المحلي، وإنما تستهدف تيسير وصول الصين إلى الموارد الطبيعية أو فتح الأسواق لإستقبال البضائع الصينية رديئة الصنع منخفضة التكلفة بل في كثيرٍ من الأحوال، تُرسل الصين عمال البناء من أبنائها مما يقلل من عدد فرص العمل المحلية التي يخلقها المشروع.

وتستنزف حاليًا العديد من المشاريع التي أُنجزَت المال؛ فعلى سبيل المثال وُصِف مطار متالا راجابسكا الدولي بسريلانكا –الذي افتُتح عام 2013 بالقرب من هامبنتوتا- بأنه أكثر المطارات فراغًا من الركاب على مستوى العالم، وعلى نحوٍ مماثلٍ تعد حركة ميناء ماهيندا راجابسكا بهامبنتوتا ضعيفة إلى حدٍ كبيرٍ كما هو الحال مع ميناء جوادر الذي تكلف مليارات الدولارات في باكستان، ورغم ذلك، تعمل تلك المشاريع بما يتوافق تمامًا مع مصالح الصين؛ حيث رست الغواصات الهجومية الصينية في موانئ سريلانكا مرتين، كما دفعت الصين بسفينتين حربيتين مؤخرا لتأمين ميناء جوادر الباكستاني.

بل لعله من الأفضل للصين ألا تسير المشاريع على ما يرام، فكلما زاد عبء الديون على الدول الأصغر كلما زاد نفوذ الصين وقد استغلت الصين نفوذها بالفعل لحث كمبوديا ولاوس وميانمار وتايلاند على التصدي لموقف دول رابطة جنوب شرق آسيا الموحد ضد مساعي الصين العدائية لتعزيز مطالباتها في بحر الصين الجنوبي.

وعلاوةً على ذلك، تضطر بعض الدول –بعد أن تقع تحت طائلة الديون الصينية- إلى أن تبيع إلى الصين بعض أسهم المشاريع الممولة من الصين أو تُسلِّم إدارة تلك المشاريع إلى شركات صينية مملوكة للدولة، وبالنسبة للدول التي تتعرض لمخاطر مالية، تطالبها الصين حاليًا بملكية غالبية الأسهم مقدمًا؛ فعلى سبيل المثال عقدت الصين صفقة مع نيبال الشهر الحالي لبناء سد آخر هناك تمتلك الصين غالبية أسهمه، حيث تبلغ حصة شركة ثري جورجس الصينية المملوكة للدولة 75%.

ويبدو أن الصين لم تكتفِ بهذا، إذ اتخذت خطوات نحو ضمان عدم مقدرة الدول على التخلص من ديونها؛ ففي مقابل إعادة جدولة مواعيد السداد، تطلب الصين من الدول منحها عقود مشاريع إضافية مما يجعل أزمات ديون تلك الدول بلا نهاية وفي أكتوبر الماضي، قامت الصين بإسقاط 90 مليون دولارًا من ديون كمبوديا من أجل الحصول على عقودٍ كُبرى جديدة.

وتأسف بعض الدول النامية على قرارها بقبول القروض الصينية، فقد اندلعت الاحتجاجات ضد البطالة المنتشرة التي نجمت عن إغراق الأسواق بالبضائع الصينية مما يقضي على فرص الصناعات المحلية، وتفاقمت بسبب استيراد الصين للعمال لمشاريعها الخاصة.

وقد أمرت بعض الحكومات الجديدة في العديد من الدول بدءًا من نيجيريا وانتهاءً بسريلانكا بالتحقيقات حول مزاعم الرشاوى الصينية للقيادات السابقة، وقد أشترك زاو ليان سفير الصين بالوكالة في الباكستان الشهر الماضي بمشادة كلامية على تويتر مع الصحفيين الباكستانيين حول اتهامات الفساد المتعلقة بالمشاريع واستغلال المجرمين المدانين الصينيين كعمالٍ في باكستان (وليست الصين حديثة العهد بهذا الأمر)، وقد وصف السفير زاو تلك الاتهامات بأنها محض هراء.

وبإعادة النظر في الأحداث الماضية، قد تبدو مخططات الصين واضحة، ولكن القرار الذي اتخذته العديد من الدول النامية بالموافقة على تلك القروض الصينية كان مبررًا من نواحٍ عديدة؛ فنظرًا لما تعانيه تلك الدول من إهمال هيئات الاستثمار فقد كانت لديها الكثير من احتياجات البنية التحتية الرئيسية التي لم تُلبَّى، ولذا فعندما عرضت الصين خدماتها مُطلِقةً وعودها باستثمارٍ هادفٍ وقروض ميسرة، وافقت تلك الدول على الفور، وقد اتضح فيما بعد أن أهداف الصين الحقيقية كانت الاختراق التجاري والنفوذ الإستراتيجي، ولكن جاء هذا الاكتشاف بعد فوات الأوان، وبعد أن وقعت تلك الدول في حلقة مفرغة .

وسريلانكا خير شاهدٍ على هذا، فرغم أنها دولةٌ صغيرةٌ إلا أنها تحتل موقعًا إستراتيجيًا بين موانئ الصين الشرقية والبحر الأبيض المتوسط وقد وصفها الرئيس الصيني شي جينبينغ بإنها حيوية لاستكمال طريق الحرير البحري.

وكانت الصين قد بدأت تستثمر بقوة في سريلانكا خلال الحكم شبه الاستبدادي للرئيس ماهيندا راجاباكسا الذي دام تسعة أعوام، وقد حمت الصين الرئيس راجاباكسا في الأمم المتحدة من إتهامات له بارتكابه جرائم حرب، وسرعان ما أصبحت الصين المُستثمر والمُقرض الرئيسي في سريلانكا وثاني أكبر شُركائها التجاريين مما منحها نفوذًا دبلوماسيًّا قويًّا.

لقد كانت الأمور سهلة بالنسبة للصين حتى هزيمة راجاباكسا غير المتوقعة في مطلع انتخابات 2015 على يد مايتريبالا سريسينا الذي أسس حملته الانتخابية على وعد تحرير سريلانكا من فخ الديون الصينية، وإيفاءً بوعده فقد علق العمل في عدة مشاريع صينية ضخمة.

ولكن كان الأوان قد فات بالنسبة للحكومة السريلانكية، فقد كانت بالفعل على حافة التخلّف عن السداد، وكما تبجح أحد الذين يعبرون عن وجهة النظر الرسمية الصينية بإن سريلانكا لم يكن لديها أيّ خيارٍ سُوى" التخلي عن سياستها الجديدة واعتناق السياسة الصينية مرةً أخرى" ولأن سريسينا كان بحاجة إلى المزيد من الوقت لسداد القروض القديمة والحصول على ديون جديدة فلقد رضخ لسلسلة من المطالب الصينية ومن بينها إعادة تفعيل بعض المبادرات المُعلّقة مثل مبادرة ميناء مدينة كولومبو بقيمة 1.4 مليار دولار ومنح الصين مشاريعَ جديدة.

وقد وافق سريسينا مؤخرًا على بيع 80% من حصص ميناء هامبنتوتا للصين بمبلغ قدره 1.1 مليار دولار ووفقًا لما صرح به السفير الصيني في سريلانكا يي شيان ليانغ، فإن بيع حصص مالية في مشاريع أخرى مطروحًا للنقاش لمساعدة سريلانكا في "حل مشاكلها المالية". ويوجه راجابكسا حاليًا اتهاماتٍ إلى سريسينا بمنح الصين امتيازاتٍ غير مُستحقة.

ففي ظل دمج الصين لسياساتها الأجنبية والاقتصادية والأمنية، تتقدم نحو هدفها في إحكام سيطرتها على روابط التجارة والاتصالات والنقل والأمن وإذا ما ظلّ عاتق تلك الدول مُثقلاً بديونٍ شاقةٍ نتيجة لذلك، فستساعد مصاعبها المالية الصين في تحقيق مخططاتها الاستعمارية الجديدة، وعلى الدول التي لم تقع في فخ الديون الصينية بعد أن تأخذ حذرها وتتخذ الخطوات الممكنة لتجنُّب الوقوع في هذا الفخ.