19

كرة القدم، بريكسيت، ونحن

كمبريدج - من بين 24 فرقة التي تأهلت لبطولة كأس أوروبا لكرة القدمهذا العام ، حضرت واحدة فقط من ألمانيا. و جاء ت ثلاثة من المملكة المتحدة: انكلترا،  ويلز، وأيرلندا الشمالية، الشيء الذي يبدو غريبا نوعا ما. بعد كل شيء.  لقد تم لم شمل ألمانيا الشرقية  والغربية فقط في عام 1991، وانضمت بافاريا  لبروسيا فقط في عام 1871، في حين انضمت أيرلندا، ويلز، واسكتلندا إلى المملكة المتحدة  في 1177، 1542، و1707، على التوالي.

فلماذاالثورنجيون والساكسون والسوابيون لهم نفس المنتخب الألماني، في حين أن المواطنين البريطانيين لهم فرق متعددة؟ (اسكتلندا وحتى جبل طارق لديهما فرقتين خاصة بهما كذلك.) ألن يصير لديهم فريق أقوى إذا اختاروا أفضل اللاعبين لتمثيل كل منهم؟

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

لكن يبدو أن المواطنين البريطانيين يفضلون أن تكون لديهم فرقة وطنية خاصة بهم  بدلا من أقوى فريق في المملكة المتحدة - حتى لو كان هذا يعني خسارته أمام ايسلندا الصغيرة. على كل حال، إذا كان المرء يرغب في أقوى فريق، فمن الأحسن تفضيل فريق برشلونة. لكي يمثلنا فريق "نحن" بطريقة أو بأخرى عليه أن ينتمي لنا.

وفي هذا السياق، يبقى خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي غير مستغرب. ركزت حملة "البقاء" على الفوائد الاقتصادية للاتحاد الأوروبي وعلى تكاليف المغادرة، بعضها سقط مباشرة بعد إعلان النتائج: تراجع الجنيه الاسترليني وانهارت أسواق الأسهم  وضاع تريليونين دولار من الثروة .

غير أن 52٪ من الذين صوتوا يفضلون عدم السماح للبولنديين والرومانيين بالعيش والعمل في بريطانيا، وبالتنافس على مناصب شغل في الفريق الاقتصادي. السماح لهم بذلك قد يعطي أفضل فريق، لكنه لن يكون فريقنا.

من وجهة نظر واحدة، هذا مجرد حالة أخرى من العاطفة التي تهزم المنطق الاقتصادي. ولكن عواطفنا هي الخوارزميات، الموروثة من التطور، والتي بواسطتها نتخذ القرارات، بما فيها السياسية. تحليل التكلفة والعائد الاقتصادي التي لا تأخذ عواطفنا بعين الاعتبار لا تحرك ساكنا ولا تٌجدي.

في جوهر القضية معنى "نحن." ماذا يعني أن تكون عضوا في الاتحاد الأوروبي، أو في نيجيريا، أو العراق، أو تركيا، أو سويسرا، أو أي كيان سياسي آخر؟

معنى "نحن" مرتبط ببعد تحتي للدماغ على أساس الشعور بالذات، الذي ينم عن إحدى الإبداعات الدماغية العديدة: الإحساس بأننا كيان حي  يواجه الأشياء، يتذكر تاريخه، يمكن أن يأخذ مبادرات، وله مشاعر وأهداف – وهذا ما سماه الأخصائي البارز في الأعصاب أنطونيو داماسيو السيرة الذاتية للنفس. الدماغ هو أيضا على علم تماما بوجود غيرها من النفوس، وعلى علم بمشاعرها ونواياها، وإنه لأمر جيد أنه يستشف  ما يقوله ويفكره، ويشعر به، ويخط له الآخرون.

نحن نستخدم نفس هذا الجهاز العقلي لتنمية الشعور ب "نحن": الناس الأقرباء وأحباؤنا الذي نهتم بهم. نفكر في "نحن" كما لو كان شخصا له سيرته الذاتية، ومزاجه، وميوله، وتطلعاته.  ونعتبر الشركات كأشخاص اعتباريين، ونتحدث عن الدولة ��كأنها شخص مركب  له خصائص واضحة: الألمان منظمون، الايطاليون عاطفيون، والبريطانيين فخورون. و من الواضح أن معنى "نحن" ينطوي على معنى "هم": أولئك الذين نعتبر رفاهيتهم أقل أهمية من رفاهيتنا.

وكما قال جوشوا غرين، مدير مختبر الإدراك المعنوي بجامعة هارفارد، فقد تطورت مشاعرنا الأخلاقية لدعم التعاون الإنساني. وكما أن التطور أعطانا الرغبة الجنسية، بدلا من الحجج العقلانية، لضمان الإنجاب، فقد تطورت مشاعر التعاطف والمودة والاشمئزاز لدينا، ومشاعر الغضب للرد على سلوكات بعضنا البعض. وتساهم مشاعرنا الأخلاقية على الحد من استغلال  الصالح العام، والذي يبرز في الصراع بين "الأنا" و "نحن"، والحفاظ على تماسك المجموعة، لدعم المنافسة بين "نحن" و "هم".

وقد تطلب التطور التكنولوجي والثقافي اتساع  الشعور بمعنى"نحن". وعلى مدى السنوات 10،000 الماضية، حيث انتقلنا من المجتمعات البدائية الصغيرة إلى المستوطنات الزراعية، والتمدن، وغيرها، و توسعت شبكة الناس الذين نتفاعل و نتعاون معهم ، من كيانات صغيرة للدولة القويمة إلى كيان مثل الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف.

عندما كان يعتمد الناس على الزراعة ، كانت رقعة تفاعلهم  صغيرة: لم تكن لديهم الفرص للتحدث مع بعضهم البعض، ونتيجة لذلك، تباينت اللغات. هذا هو السبب في كون الكاميرون، وهو بلد أصغر من اسبانيا، وله 230 لغة. على النقيض من ذلك، زادت الثورة الصناعية من قيمة الأسواق الكبرى، إيطاليا (1861-1871) وألمانيا (1870-1871) تم إنشاؤهما عن طريق توحيد دويلات على أساس  المشاعر القومية واللغة المشتركة، وكلا اللغتين تم إنشاؤهما لهذا الغرض.

و من الواضح  أن وجود شعور مشترك واحد يجعل الحياة أسهل بكثير بالنسبة للكيانات السياسية. دون ذلك، لصالح من ستتصرف الدولة - التي من المفترض اتخاذ القرارات، وتحديد وحماية حقوق الإنسان، وفرض الواجبات والالتزامات؟ إذا كان "نحن" يشمل فقط، مثلا، العلويين في سوريا، والكيكويو في كينيا، أو هان الصينيون في الصين، سيكون لدى الجميع الحافز على التمرد.

ومن الواضح أن البلدان التي لديها لغة مشتركة ودين واحد قد تٌطور الشعور ب"نحن" بسهولة أكثر من غيرها. ولكن العالم مليء بالدول المتنوعة جدا في هذين البعدين، وتقوم السياسة فيها بإعادة تعريف مفهوم "نحن" باستمرار.

في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، شمل معنى "نحن" في البداية فقط السكان البيض الأنجلو ساكسون والبروتستانت، وليس الأيرلنديين، أو الايطاليين، أو البولنديين الكاثوليك أو اليهود – كما تم تهميش الأمريكيين من أصل أفريقي. إلى حد كبير من خلال السياسة، وأصبح الشعور بمعنى "نحن" أكثر شمولا.

Fake news or real views Learn More

في حالة عدم وجود لغة ودين مشتركين ، ينبغي على معنى "نحن" في الاتحاد الأوروبي أن يقوم على القيم والثقافة المشتركة، التي تعود لقرون من التفاعل. وما أغنى هذا التراث : عصر النهضة، والتنوير، والعديد من الثورات الصناعية والعلمية الرائعة، والفن، ومعظم الألعاب الرياضية. ويتساءل المرء لماذا زينت الأوراق النقدية لعملة اليورو بزخارف غير واضحة، وليس بصور شخصيات ذات طابع كوني - دا فينشي، نيوتن، وفولتير، ورامبرانت، سرفانتس، شوبان، أو بيتهوفن - التي تمثل بشكل أفضل التراث الثقافي في أوروبا.

سينجح المشروع الأوروبي فقط عندما يخلق شعورا أوروبيا  ب"نحن" قوية بحيث يشعر ، مثلا، البلغاري  بالحق في العيش والعمل في برمنغهام. عندما يستطيع كل الأوروبيين العيش في أي مكان يشاؤونه في أوروبا. عندئذ  قد تصبح أوروبا الفريق القوي الذي يمكنه الفوز.