9

الراتب الأساسي للجميع حلم صعب التحقيق

بيركيلي: وفقًا لما هو متعارف عليه في وادي السيليكون ستقضي الروبوتات على وظائف الجميع وسيصبح الراتب الأساسي للجميع أمرًا ضروريًا ولقد كانت الشركات الكبيرة متحمسة في الآونة الأخيرة للمبالغة في الإشادة بنتائج مشروع الراتب الأساسي للجميع في كينيا والذي يموله إلى حد كبير أصحاب الأعمال الخيرية في وادي السيليكون.

وبينما عادة ما تنشأ فكرة الراتب الأساسي للجميع خلال فترات الضغط الاجتماعي والاقتصادي يعد هذا أول اختبار حقيقي لها ويوفر مشروع كينيا دخل مضمون ينهي الفقر لإولئك الذين يتلقوه حيث يوجد هناك ستة آلاف من الأشخاص البالغين في أربعين قرية فقيرة نائية يحصلون الآن على 75 سنت (نعم سنت) في اليوم أو 22 دولار في الشهر لمدة 12 سنة.

ونأمل أن تنجح التجربة في كينيا وتظهر المساعدات النقدية المقدمة تقدمًا ملموسًا للقضاء على الفقر المدقع في الدول النامية لكن لضمان فعالية هذه المساعدات يجب أن تقدم مباشرةً لهؤلاء الذين في حاجة إليها لفترات طويلة من الوقت وبقدر كافٍ وفي البلدان الفقيرة النامية يمكن للراتب الأساسي للجميع أن يستبدل برامج المعونات الباهظة التي تفشل في مواجهة احتياجات السكان المستهدفين والتي غالبًا ما يقوضها الأنظمة الفاسدة.

لكن يجب على شركات وادي السيليكون الكبرى أن تكبح حماستها فمشروع الراتب الأساسي للجميع في كينيا يعتمد على م-بيسا وهو نظام بنكي ربحي يعتمد على الهاتف النقال وتم إنشاءه بدعم من المساعدات الأجنبية والشركات الخاصة والحكومات ذات الرؤية التطلعية وليس ذوو النوايا الحسنة من فاعلي الخير.

وحتى لو نجح مشروع الراتب الأساسي للجميع في كينيا على مدار الإثني  عشر عامًا المقبلة فهو لا يقدم حلا لمشكلات الاقتصاد الأمريكي الملحة اليوم ويعد مشروع الراتب الأساسي للجميع بالنسبة للولايات المتحدة الإمريكية فكرة خيالية مثل جدار الرئيس ترمب الحدودي، فهو مكلف لدرجة تعجيزية ولن يحل المشكلات التي كان من المفترض أن يعالجها.

والأسوأ من ذلك كله أن مقترحات الراتب الأساسي للجميع تصرف الانتباه بشكل خادع عن المشكلات الراهنة مثل الفقر المستشري وخاصة بين الأطفال والأقليات العرقية، والأجور والدخول الثابتة (التي تعدل في ضوء نسبة التضخم) لمعظم العائلات وزيادة إنعدام المساواة في الدخل وانخفاض الحراك الاجتماعي وعدم المساواة في الحصول على فرص التعليم وعدم ثبات الدخول المصاحب لعدم ثبات العمالة.

ولم تقلل التكنولوجيا بعد من العدد الإجمالي للوظائف في الولايات المتحدة بشكل كبير ،لكنها بالتأكيد أدت إلى تقويض نوعية الوظائف وجودتها لملايين العاملين حيث تقضي التقنيات الحديثة على الوظائف اليدوية الروتينية ذات المهارات الإدراكية المتوسطة وتزيد من تفاقم إنعدام المساواة في الدخل وهي أكبر مصدر لإجمالي إنعدام المساواة في الدخل لكن هل تعد هذه السلسلة من المشكلات مبررًا لمنح كل عامل أمريكي دخل أساسي بما في ذلك نجوم وادي السيليكون الذين تعززت مهاراتهم ودخولهم بسبب التغير التقني المنحاز للمهارات والذي يوفر العمالة ؟

وحتى لو كان الراتب الأساسي لكل فرد أمريكي بالغ هدف مرغوب فلا توجد خطة فعلية لتمويله. في كينيا ربما توفير 22 دولار شهريًا يقضي تمامًا على الفقر لكنه مجرد مبلغ تافه بالنسبة للولايات المتحدة حيث بلغ خط الفقر الرسمي للشخص البالغ في عام 2016 12.700 دولار سنويًا.

وتوفير 10.000 دولار سنويًا لكل فرد أمريكي بالغ سيتكلف أكثر من 3 تريليون دولار، أي استهلاك أكثر من ثلاثة أرباع الميزانية الفيدرالية السنوية وهذا يتطلب تاريخيا فرض ضرائب عالية  ومع ذلك فقلما نسمع أن مؤيدي الراتب الأساسي للجميع من الأثرياء يطالبون بزيادة ضرائبهم ومن الأرجح أن يؤيدوا تقليل نفقات الرعاية الاجتماعية مثل الضمان الاجتماعي والبرامج الأخرى التي ينتفع منها خمسي السكان من الطبقة الدنيا بما فيهم الأطفال.

وبينما ننتظر نتائج تجربة الراتب الأساسي للجميع في كينيا ونتوقع تدمير الروبوتات الذكية للوظائف في المستقبل ، نحتاج إلى تحديث وتقوية البرامج الحالية التى تستهدف التحديات الني يواجهها العمال اليوم . إن جودة التعليم في جميع المستويات، التي تشمل فرص تدريب ذات صلة بالوظائف وتعليم مدى الحياة، أمر حيوي لتوفير المهارات التي يتطلبها سوق العمل إلا أنها تتطلب استثمار كبير.

ستكون هناك حاجة أيضًا إلى برامج المساعدات الانتقالية التي تساعد العمال وعائلاتهم في مواجهة اختلال نظام التوظيف والدخول. في وادي السيليكون يحمل لفظ "اختلال نظام" تغيير إيجابي لكنه في الواقع يسبب ألم بالغ لهؤلاء الذين قلبت التكنولوجيا سبل كسب عيشهم رأسًا على عقب.

 والبرامج الحالية في الولايات المتحدة مثل برنامج المساعدات الطبية وتعويضات البطالة وبرنامج المعونة الغذائية التكميلية المشار إليه باختصار «سناب» وبرنامج المساعدات المؤقتة للعائلات الفقيرة المشار إليه باختصار «تانف» يجب أن تكون أكثر سخاءا. بالإضافة إلى ذلك يجب على الولايات المتحدة أن تطور برنامج قومي عالمي للتأمين على الدخل لمساعدة هؤلاء الذين يعانون من إنعدام الإستقرار المالي نتيجة للبطالة أو الإعاقة أو المرض أو موت عضو من أعضاء الأسرة. في الوقت نفسه وبينما تنخرط المزيد من القوى العاملة في العمل المستقل ستكون هناك حاجة لإستبدال نظام المخصصات المعتمد على التوظيف بنظام مخصصات مرن يغطي جميع العمال بغض النظر عن صاحب العمل.

والأمريكان في حاجة أيضًا إلى زيادة الحد الأدنى من الأجور الفيدرالية. لو كان الحد الأدنى من الأجور متوافقا مع تزايد الإنتاج كان ليصبح اليوم 19 دولار في الساعة تقريبا بدلًا من 7.25 دولار . وأكثر من نصف العمال الذين يتقاضون الحد الأدنى من الأجور نساء والعديد منهن يعتمدن على البقشيش في الجزء الأكبر من دخلهم حيث يسمح للمطاعم أن تدفع حد أدنى للأجور زهيد للغاية يصل إلى 2،13 دولار أمريكي بالساعة وأغلبية الأمريكان يؤيدون زيادة الحد الأدنى للأجور وكذلك سبعة من الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد حيث نأمل أن يحذو حذوهم دعاة الراتب الأساسي للجميع في وادي السيليكون.

وفي النهاية فعلى أمريكا أن تشرع في تطوير ما يكمل الدخل قائم على أساس الوسائل وذلك من أجل العمال الذين حل العمل الآلي محل وظائفهم أو قام بتقليل أجورهم ولتحقيق تلك الغاية يجب أن تستبدلإعفاءات ضريبة الدخل بضريبة دخل عكسية سخية وهي فكرة اقترحها ميلتون فريدمان منذ عدة عقود لما الربوتات كانت ماتزال من أساسيات الخيال العلمي.

بخلاف الراتب الأساسي للجميع فإن ضريبة الدخل العكسية التي تقدم دافع قوي للعمل بمقدورها أن ترفع الأجور بعد الضريبة لملايين من أصحاب الوظائف ذات الرواتب المنخفضة والعديد من هذه الوظائف هي وظائف "رعاية من لا يستطيع رعاية نفسه" ووظائف متعلقة بخدمات شخصية أخرى وهي من المتوقع أن تكون من ضمن الوظائف الأسرع نموًا في العقد القادم والتى من غير المرجح أن تقوم الروبوتات بإستبدالها.

وكما يقول تيدي روزفيلت فإن أكبر جائزة  تمنحها الحياة هو اغتنام فرصة القيام بعمل يستحق بذل الجهد وتركيز السياسة اليوم يجب أن ينصب على عمل يستحق القيام به ويوفر أجر معيشي مقبول وليس على خطط ساذجة لمستقبل ما بعد العمل.