4

إنجاز أليكسيفيتش

نيويورك ــ في عام 1985، كانت رياح التغيير تهب على الاتحاد السوفييتي. وكان شاغلو منصب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفييتي الطاعنون في السن يتساقطون كأوراق الخريف. وقد وصف عمل إيليم كليموف السينمائي magnum opus(تعال وانظر) الحرب العالمية الثانية من دون الأعمال البطولية التي تربينا عليها، فسلط الضوء على المعاناة الإنسانية الهائلة بدلاً من ذلك. وقد عكس نهج كليموف النهج الذي استخدمته سفيتلانا أليكسيفيتش ــ الحائزة على جائزة نوبل في الأدب ذلك العام ــ في كتابها الأول War’s Unwomanly Face(الوجه غير الأنثوي للحرب)، والذي نشر في العام السابق.

ولكن في حين هُرِع كثيرون لمشاهدة فيلم كليموف، يبدو أن كتاب أليكسيفيتش لم يحمس القراء كثيرا. فقد ظل الاتحاد السوفييتي، الذي يفترض أنه كان تقدميا، متجذراً في النظام الأبوي. فبرغم أن النساء شغلن الوظائف، فإنهن نادراً ما كان لهن مستقبل مهني. وكان النساء يكتبن شعراً ونثراً رفيعين، وعلى المستوى الرسمي اعتُرِف بهن متساويات (حسنا، تقريبا) مع أقرانهن من الذكور؛ ولكنهن كن يملن إلى تجنب مواضيع بعينها ــ وكانت الحرب عملاً للرجال. ومن هنا تبدأ سفيتلانا أليكسيفيتش كتابها الوجه غير الأنثوي للحرب: "لقد شهد العالم أكثر من ثلاثة آلاف حرب، وعدداً أكبر من الكتب عنها. ولكن كل ما نعرفه عن الحرب هو ما أخبرنا به الرجال عنها".

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

وقد أخبرنا الرجال بالكثير. تتذكر أليكسيفيتش "كنا نتذكر الحرب دوما، في المدرسة، وفي البيت، وفي حفلات الزفاف والتعميد، وأثناء العطلات والجنازات. كانت الحرب تسكن أرواحنا". الواقع أنني كنت قد سمعت الكثير عن الحرب عندما ظهر كتاب "الوجه غير الأنثوي للحرب"، ولم أكن مهتمة بسماع المزيد عنها ــ سواء المعاناة والتضحيات أو البطولة والانتصارات ــ من أي منظور.

ولكن بعد مرور عشر سنوات تقريبا، كانت أميركا مهتمة كثيراً بسياسة المساواة بين الجنسين، وباعتباري طالبة دراسات عليا هناك، شعرت بالحرج إزاء تخلفي عن الركب. لذا فقد قررت أخيراً قراءة كتاب "الوجه غير الأنثوي للحرب".

وما أدهشني أن ما تعلمته من الكتاب لم يكن عن الحرب العالمية الثانية؛ بل سنحت لي الفرصة بالتعرف على المشاعر التي جربها أقربائي الذين خاضوا الحرب ونجوا منها. فأشخاص مثل جدتي كانوا يقصون فقط القصة التي يكررها الذكور غالبا، وينكرون تماماً تجربتهم الخاصة. ولكن تجربة مثل هؤلاء الأشخاص مهمة، وقد أدركت أليكسيفيتش هذا. وقد ألهمني كتابها كثيراً حتى أنني قبل بضع سنوات ألفت كتاباً يتناول تفاصيل المعاناة التي تحملها النساء في أسرتي في الاتحاد السوفييتي الذي مزقته الحرب.

وكانت كتب أخرى من تأليف أليكسيفيتش ملهمة بنفس القدر. فقد تحدثت في كتابها "أصوات سوفييتية من حرب أفغانستان" (1991) عن معركة بعيدة ــ الحرب السوفييتية التي دامت تسع سنوات في أفغانستان ــ كانت سبباً في تآكل الثقافة والإنسانية الروسية، في حين تأمَلَت في كتابها "أصوات من تشرنوبيل: التاريخ الشفهي لكارثة نووية" (1997) في الأهمية العالمية للكارثة النووية. وكانت ردود فعل الجماهير على الكتابين مختلطة. فلم تكن الدولة ولا الناس على بينة من مشاعرهم إزاء أفغانستان أو تشرنوبيل ــ فالأولى حرب خاسرة، والثانية كارثة غير مفهومة.

وقد وصفت أليكسيفيتش نفسها بأنها "أذن وليست قلما". فهي تنصت ثم تبني القصة، قبل أن تدونها. وكانت موهبتها متمثلة في تحويل الخاص إلى عام، والكشف عن الأفكار التي يخشى الناس أن يعربوا عنها.

ولم تخجل أليكسيفيتش من الجوانب المروعة للموضوع الذي تناولته، والذي تجسد في فقرة من كتاب الوجه غير الأنثوي للحرب: "نحن لم نقتل الأسرى فحسب... بل كنا نعلقهم كالخنازير باستخدام قضبان تنظيف البنادق، ونقطعهم إربا. وقد ذهبت للمراقبة... كنت أنتظر تلك اللحظة عندما تنفجر أعينهم بالألم". وبرغم أن هذه النغمة الوحشية من الممكن أن تُشعِر القارئ بقدر كبير من عدم الارتياح (الواقع أن هذا كان أحد الأسباب التي جعلتني أستغرق وقتاً طويلاً للغاية لقراءة الكتاب)، فنحن لا نملك ترف الجهل بالحقيقة، حتى ــ أو ربما بخاصة ــ لو كانت تشعرنا بالخجل.

الواقع أن كتب أليكسيفيتش الصريحة والجريئة والحزينة ــ التي تحتوي على قصص حيث الحياة الكسيرة أو المسروقة تصبح أسوأ من الموت ــ تُظهِر كيف من الممكن أن يضفي منظور المرأة بُعداً إنسانياً على مشاكل العالم ويجعلها مفهومة للجميع. وفي بعض النواحي، نستطيع أن نقول إن مساهمة أليكسيفيتش الأدبية، التي وصفتها لجنة جائزة نوبل بأنها "نصب تذكاري للمعاناة والشجاعة في عصرنا"، تعادل مساهمة الروائية والكاتبة المسرحية النمساوية إلفريدي يلينيك، التي كرمتها اللجنة في عام 2004 عن كتاباتها التي انتقدت فيها نسوياً الماضي النازي في النمسا وحاضرها الأبوي.

والآن، مثلها كمثل يلينيك التي لم تكن أعمالها معروفة بشكل كبير لقراء غير الألمانية إلى أن فازت بجائزة نوبل، تم تكريم أليكسيفيتش والاعتراف أخيراً بتأثيرها العميق. والواقع أن الجائزة التي فازت بها تبث رسالة قوية ــ ليس فقط حول موهبتها، بل وأيضاً حول أهمية المنظور الأنثوي في المجال العام.

من المؤكد أن أليكسيفيتش لم تكن مجهولة تماماً من قبل. فقد ترجمت كتبها إلى عشرين لغة، ووزعت الملايين من النسخ. ومثلها كمثل كثيرين غيرها من الفائزين بجائزة نوبل، بما في ذلك يلينيك، لعبت أليكسيفيتش دوراً نشطاً في المجتمع المدني، ومؤخراً اتخذت موقفاَ مناهضاً لضم روسيا لشبه جزيرة القرم.

من المثير للاهتمام أن وتيرة منح جائزة نوبل للنساء كانت في ازدياد. ففي عام 1991، كانت نادين جورديمر أول امرأة بعد أكثر من ربع قرن من الزمن تحصل على جائزة أدبية؛ والآن تمنح الجائزة للنساء كل عامين إلى ثلاثة أعوام. وعلاوة على ذلك، أصبحت الكاتبة والناقدة الأدبية ساره دانيوس هذا الصيف أول امرأة في مائتي عام تشغل منصب السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية، التي تختار الفائزين بجائزة نوبل في الأدب.

ولكن الثقافة الأبوية التي نشأت منها أليكسيفيتش لم تختف بعد بكل تأكيد. والاعتراف بالطرق التي أثرت بها فِكر الناس حول مواضيع صعبة ــ وتتسم بالذكورية تاريخيا ــ أمر محمود للغاية، ليس فقط بالنسبة للنساء التي تلهمهن، بل وأيضاً بالنسبة للرجال الذين تؤثر عليهم.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

لقد انتهيت للتو من قراءة تحفة أليكسيفيتش المروعة الأخيرة "أوقات مستعملة"، وهو كتاب وحشي يتناول الرأسمالية الروسية الفوضوية في تسعينيات القرن العشرين. وفي مقابلات حديثة أجريت معها، قالت أليكسيفيتش إنها تعكف على إنهاء كتابين آخرين ــ أحدهما عن الحب، والآخر عن الشيخوخة. ولا أريد أن أقرأ أي منهما، ولكني سأفعل.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali