33

الشركات تستولي علينا سِرا

نيويورك ــ تنهمك الولايات المتحدة والعالم الآن في مناقشة محتدمة حول اتفاقيات تجارية جديدة. كانت مثل هذه الاتفاقيات تسمى سابقا "اتفاقيات التجارة الحرة"؛ والواقع أنها كانت اتفاقيات تجارية موجهة، ذلك أنها كانت مصممة خصيصاً لتحقيق مصالح الشركات، وإلى حد كبير في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. واليوم، يُشار إلى مثل هذه الاتفاقات غالباً بوصف "الشراكات"، مثل الشراكة عبر المحيط الهادئ. ولكنها ليست شراكات بين أطراف متكافئة: فالولايات المتحدة تملي فعلياً الشروط. ولكن ما يدعو إلى التفاؤل أن "شركاء" أميركا أصبحوا أشد مقاومة بشكل متزايد.

وليس من الصعب أن نعرف السبب. إن مثل هذه الاتفاقات تذهب إلى ما هو أبعد من التجارة، فتحكم الاستثمار والملكية الفكرية أيضا، وتفرض تغيرات جوهرية على الأطر القانونية والقضائية والتنظيمية في البلدان المشاركة، ومن دون مدخلات أو مساءلة من قِبَل مؤسسات ديمقراطية.

ولعل الجزء الأكثر إثارة للاستياء ــ والأقل نزاهة ــ في مثل هذه الاتفاقات يتعلق بحماية المستثمر. بطبيعة الحال، لابد من حماية المستثمرين ضد لحكومات المارقة التي تستولي على أملاكهم. ولكن هذا ليس الهدف من هذه الفقرات. فقد كان عدد المصادرات ضئيلاً للغاية في العقود الأخيرة، والمستثمرون الذين يريدون حماية أنفسهم يمكنهم شراء التأمين من الوكالة الدولية لضمان الاستثمار التابعة للبنك الدولي، كما توفر حكومة الولايات المتحدة وغيرها من الحكومات تأميناً مماثلا. ومع هذا فإن الولايات المتحدة تطالب بمثل هذه الفقرات في اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، حتى برغم أن العديد من "شركائها" لديهم أنظمة لحماية الملكية وأجهزة قضائية جيدة.

إن المقصد الحقيقي من هذه الفقرات يتلخص في عرقلة القيود التنظيمية الصحية والبيئية والمتعلقة بالسلامة بل وحتى التنظيمات المالية بقصد حماية اقتصاد أميركا ومواطنيها. فبوسع الشركات أن تقاضي الحكومات طلباً للتعويض الكامل عن أي انخفاض في أرباحها المتوقعة في المستقبل نتيجة لتغييرات تنظيمية.