0

الذئب الذي التهم جورجيا

فلورنس ـ في حكاية الذئب والحمل التي رواها فيدروس الروماني منذ أكثر من ألفي عام، كان بوسع الذئب أن يلتهم الحمل بسهولة ودون أن يتفوه بكلمه، إلا أنه فضَّل أن يعدد "أسبابه" أولاً. فبدأ بتوبيخ الحمل لأنه يلوث المياه التي يشرب منها بالوحل (حتى مع أن الذئب كان يسكن في أعلى النبع). ثم زعم أن الحمل سبه في العام الماضي (في حين أن الحمل كان يبلغ من العمر ستة أشهر فقط). ثم زمجر الذئب قائلاً للحمل إنه لو لم يكن هو من فعل كل ذلك فلابد وأن أباه هو الفاعل؛ وبعد ذلك شرع الذئب في العمل "على الفور".

إن "الحجج" التي ساقها الذئب "لتبرير" تصرفه الشرير كانت بمثابة نوع من الترف الذي سمح لنفسه بالانغماس فيه. وفي الزمن الحاضر يُـلزِم ميثاق الأمم المتحدة قانوناً الدول المستذئبة ـ والمعروفة أيضاً بالقوى العظمى ـ بتقديم المبررات التي دفعتها إلى استخدام القوة المسلحة. وبطبيعة الحال تتعاظم ضرورة وأهمية هذا الالتزام حين يتصل الأمر بأيٍ من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وذلك لأنه باستثناء الإدانة من جانب الرأي العام العالمي فلا وجود لأية عقوبات يمكن فرضها على هذه الدول الخمس مهما بلغت خطورة انتهاكاتها لميثاق الأمم المتحدة.

ساقت روسيا العديد من الأسباب لتبرير تدخلها المسلح في جورجيا، رغم أن الإقليمين الانفصاليين موضوع التدخل، أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، خاضعان للسيادة الجورجية. وتزعم روسيا أن تدخلها كان بهدف 1) منع الاعتداءات الجورجية على أوسيتيا الجنوبية؛ 2) إنهاء حملة التطهير العرقي ومنع جرائم الحرب التي ترتكبها جورجيا هناك؛ 3) حماية المواطنين الروس؛ و4) الدفاع عن شعب أوسيتيا الجنوبية استناداً إلى اتفاقية حفظ السلام الموقعة بين بوريس يلتسين و إدوارد شيفرنادزه في العام 1992.

بيد أن كل هذه الأسس القانونية تعجز عن الصمود أمام التدقيق والفحص. لا شك أن جورجيا ارتكبت فِـعلة متهورة حين أرسلت قواتها إلى أوسيتيا الجنوبية، إلا أنها لم تنتهك أي قاعدة دولية، ولو كانت سيادتها على أوسيتيا الجنوبية اسمية وليست فعلية. ولم نعلم بحدوث إبادة عرقية أو تطهير عرقي هناك؛ وإذا ما كانت جرائم حرب قد ارتُـكِبَت بالفعل فإن هذا لا يبرر الغزو العسكري. فضلاً عن ذلك فإن أهل أوسيتيا الجنوبية يحملون الجنسية الروسية فقط لأن روسيا وهبتهم إياها مؤخراً بغير طلب منهم. ثم أن اتفاقية 1992 تفوض فقط بمراقبة التوترات الداخلية، وليس الاستخدام المكثف للقوة العسكرية.