1

الرؤية والوهم

القدس ــ الآن، تحتفل إسرائيل، الرؤية الجريئة التي تحولت إلى حقيقة، بعيد تأسيسها الخامس والستين، في ظل شعور مستحق بالرضا عن إنجازاتها المحلية غير العادية. بيد أن الطريق لا يزال طويلاً أمام الدولة اليهودية في علاقاتها مع العالم الخارجي.

فتاريخيا، لم تكن التجربة اليهودية في العلاقات الدولية تثقيفية بشكل خاص. فالدولة اليهودية لم يكن لها وجود إلا لفترات قصيرة في تاريخ اليهودية، وقد انتحرت هذه الدولة سياسياً مرتين. وكان السبب هو ذاته دوما: التعصب السياسي الديني والخطأ الفادح المتمثل في تحدي القوى العالمية السائدة ــ ولهذا السبب كان السعي المهووس من قِبَل الصهيونية الحديثة إلى الدخول في تحالف ملزم مع قوة عظمى.

إن النعرة العرقية من المحتم أن تعمل على تشويه علاقات أي شعب ببقية العالم، وكانت عقيدة القوة التي تتبناها إسرائيل مستمدة من أعماق التجربة اليهودية، وخاصة العداء الأبدي غير الرحيم الذي واجهها به عالم غير اليهود. والواقع أن الدور الذي لعبته المحرقة (الهولوكوست) باعتبارها الأسطورة المكونة للسرد التاريخي الشمولي الصهيوني كان معزِزاً لميل إسرائيل إلى مواجهة "العالم"، وهو مبدأ غير متبلور ولكنه طاغ، وانطلاقاً منه يشن اليهود صراعاً لا يمكن حله بالأدوات التقليدية للعلاقات الدولية.

ومن خلال الصهيونية، الحركة العلمانية القومية في الأساس، أعيد اليهود إلى العمل السياسي فنجحوا في تطوير الأدوات الدبلوماسية اللازمة. ولكن في حين كانت الصهيونية المبكرة تنعم بالبرجماتية والبراعة الدبلوماسية، فإن رجحان الروح العسكرية لأمة تحمل السلاح كان سبباً في عزل وإبعاد الإنجازات غير العادية التي حققتها الصهيونية في عالم السياسة الخارجية إلى ركن ناء منعزل من الذاكرة الجمعية للإسرائيليين.