0

إعادة النظر في السيادة

طيلة 350 عاماً ظلت السيادة ـ المفهوم الذي يؤكد أن الدولة هي الفاعل الأساسي على خشبة المسرح العالمي، وأن الحكومات تتمتع في الأساس بكيان حر يسمح لها بأن تفعل ما تشاء ضمن حدود أراضيها ولكن ليس داخل حدود أي دولة أخرى ـ تقدم لنا المبدأ المؤسس للعلاقات الدولية. لكن الأوان قد حان لكي نعيد النظر في هذا المفهوم.

إن دول العالم التي يتجاوز عددها مائة وتسعين دولة تتعايش الآن في ظل عدد ضخم من الكيانات الفاعلة القوية التي لا تتمتع بالسيادة لكنها تحظى جزئياً على الأقل (وبنسبة كبيرة في كثير من الأحوال) بالاستقلال. وتتراوح هذه الكيانات من شركات إلى منظمات غير حكومية (جمعيات أهلية)، ومن جماعات إرهابية إلى عصابات مخدرات وجريمة منظمة، ومن مؤسسات إقليمية وعالمية إلى مصارف وبنوك وسندات تمويل خاصة. وتتأثر الدولة ذات السيادة بكل هذه الكيانات الفاعلة (بالسلب والإيجاب) وفقاً لمقدرتها على التأثير. أما احتكار السلطة الذي كانت تتمتع به كيانات ذات سيادة ذات يوم فقد بدأ يتآكل ويضمحل.

ونتيجة لهذا، أصبح الأمر يتطلب ابتكار آليات جديدة للحكم الإقليمي والعالمي الذي يتضمن كيانات فاعلة غير الدول. وهذا لا يعني أننا نستطيع أن نمنح شـركة مايكروسوفت، أو منظمة العفو الدولية، أو جولدمان ساكس مقاعد في الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكنه يعني حصول هذه المنظمات على فرصة التمثيل في المشاورات العالمية إذا ما امتلكت القدرة على التأثير على كيفية وإمكانية مواجهة التحديات الإقليمية والعالمية.

فضلاً عن ذلك، فلابد وأن تكون الدول على استعداد للتنازل عن بعض السيادة لصالح الكيانات العالمية إذا ما كنا نريد للنظام الدولي أن يعمل كما ينبغي. ولقد بدأ هذا يحدث بالفعل في عالم التجارة. فالحكومات توافق الآن على قبول أحكام وقرارات منظمة التجارة العالمية لأنها في الميزان تستفيد من وجود نظام تجاري دولي حتى ولو كان قرارا بعينه قد يتطلب منها أن تعدل عن ممارسة ما يكفله لها حقها السيادي.