0

صين ماو تسي تونج في الستين

لندن ـ إن كل دولة تتشكل تبعاً لتاريخها، ولكن الدول تلفق تاريخها وتعيد كتابته أيضاً. والقصة التي تحكي كيف أصبحنا ما نحن عليه لابد وأن تستوعب حسنا بالتضامن القبلي والإنجاز. ونحن نبالغ في وصف انتصاراتنا وفضائلنا؛ ونبرر تصرفات أوغادنا أو نعزوها إلى أسباب خارجية؛ ونغطي على عيوبنا وإخفاقاتنا. وكل هذا من شأنه أن يجعل دراسة التاريخ أمر مستعصياً، ولكنه عظيم القيمة. إن المؤرخين الشرفاء يشجعوننا على تحري الأمانة والصدق في وصف أنفسنا. وهم بهذا يدمرون محاولاتنا لتضليل أنفسنا.

وينطبق هذا بصورة خاصة على أبطالنا المعيبين، كما نرى اليوم من تناول الحزب الشيوعي الصيني للزعيم الراحل ماو تسي تونج . قبل ستين عاماً وقف ماو على منبر بوابة السلام السماوي في بكين، وأعلن تأسيس جمهورية الصين الشعبية. وكانت تلك اللحظة بمثابة النهاية لسنوات من الحرب والمحن الرهيبة؛ فقد انتصرت الثورة بالدماء، والتضحيات، والبطولات، وأخطاء الأعداء، والمساعدة المهيمنة من ستالين ، الذي ادعى أنه صديق. وانتهت العقود التي هيمن عليها أباطرة الحرب النهابون، والمستعمرون الشرهون الجشعون، والغزاة اليابانيون؛ وبات بوسع الصين أن تنهض ـ رغم القدر العظيم من البؤس الذي عاشته الصين بينما رسخ ماو جذور طغيانه.

إن الأحكام الصادرة في حق ماو تتفاوت وتتباين على نحو جامح. فهو في نظر الشيوعيين المتشددين كان بطلاً من ثلاثة جوانب ـ على الصعيد التاريخي، والوطني، والعالمي. أما في نظر المنشق الشجاع ذي الشخصية الكارزماتية (الجذابة) وي جينج شينج ، فقد كان ماو "السبب في دفع الصين بالكامل إلى حالة من العنف، والرياء، والفقر".

أما الحكم الرسمي للحزب الشيوعي، وهو بلا أدنى شك نتاج لنزاعات إيديولوجية شرسة، فمفاده أن ماو كان ماركسياً وثورياً عظيماً، وأن الإسهامات العظيمة التي قدمها للصين تفوق في الوزن تلك "الأخطاء الجسيمة" التي ارتكبها أثناء الثورة الثقافية. فإنجازاته على حد قولهم أولية، وأخطاؤه ثانوية.