0

مادونا وطفلها

في شهر أكتوبر الماضي علم مئات الملايين من البشر في كل أنحاء العالم بشأن صبي من ملاوي يبلغ من العمر عاماً واحداً ويدعى ديفيد . وقد يبدو من المعقول أن نفترض أن العديد من هؤلاء الناس قبل شهر من اليوم لم يسمعوا قط بدولة تدعى ملاوي، تلك الدولة الإفريقية التي تحيطها اليابسة من كل اتجاه والتي يبلغ تعداد سكانها 13 مليون نسمة وتحدها موزمبيق وزامبيا وتنزانيا. فجأة وبدون مقدمات أصبح ديفيد أكثر أهل ملاوي شهرة، وذلك لأنه كان من حسن طالعه أن تتبناه مادونا ، نجمة الأغنية الشعبية التي تنجذب إليها كاميرات التلفاز كما تنجذب الدببة إلى العسل.

ولكن أكان ذلك من حسن طالعه حقاً؟ قال يوهان باندا والد ديفيد بعد أن وجد نفسه فجأة وقد سُـلِـطَت عليه الأضواء الإعلامية إنه لم يكن يدرك أن ولده لم يعد ينتمي إليه وإنه قد لا يعود إلى ملاوي أبداً. وتقول مادونا إن كلام باندا كان قبل ذلك مختلفاً، على الرغم من أنها لا تتحدث لغته. ويتساءل الناس هل كان من مصلحة الطفل أن ينفصل عن والده؟ حتى أن حماة حقوق الإنسان قد شرعوا في اتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة للمطالبة برد الطفل إلى والده.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

والدة ديفيد متوفاة. وكان والده، الرجل القروي الذي يزرع الخضراوات ويقوم بأعمال أخرى كلما استطاع، قد عجز عن رعايته بعد وفاتها فوضعه في دار للأيتام. هناك في تلك الدار، وقبل أن تلتقي به مادونا ، كان ديفيد يعيش مع حوالي 500 طفل آخرين. وتضم ملاوي حوالي مليون يتيم من أمثال ديفيد ، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى تفشي وباء الإيدز والفيروس المسبب له في ملاوي. وموارد دور الأيتام هناك محدودة، والعديد من الأطفال المقيمين بها لا يعيشون حتى يبلغوا من العمر سن الخامسة. وتقول مادونا إنها حين قابلت ديفيد كان يعاني من التهاب رئوي حاد وكان يتنفس بصعوبة.

إن ملاوي واحدة من أكثر الدول تأخراً في العالم، حيث تبلغ معدلات الوفاة بين الأطفال حديثي الولادة 94 طفلاً بين كل ألف، وحيث لا يتجاوز متوسط العمر المتوقع عند الولادة 41 عاماً. أما بين البالغين فهناك واحد من كل سبعة مصاب بمرض الإيدز أو الفيروس المسبب له. وعلى هذا فلو كان ديفيد قد تُـرِك في دار الأيتام فليس هناك من الأسباب ما يدعونا إلى أن نتصور أنه كان قد يصبح في حال أفضل من المواطن الملاوي العادي.

بل الأرجح أن أحواله كانت قد تصبح أكثر سوءاً. في إحدى المقابلات لم ينكر والد ديفيد أن ولده سيعيش في ظل ظروف أفضل مع مادونا ، كما رفض دعم ناشطي حقوق الإنسان الذين يسعون إلى رد ديفيد إليه. والحقيقة أن هذا القرار يبدو حكيماً.

لا أحد يستطيع أن ينكر أن ديفيد سوف ينقطع عن جذوره الثقافية. وعلى الرغم من أن مادونا أكدت أنها سوف تعود به إلى ملاوي لكي يرى والده مرة أخرى، إلا أنه من الصعب للغاية أن يشعر وكأنه في بيته إذا ما عاد إليه. ذلك أن لغته الأم ستكون الإنجليزية؛ وإذا ما تعلم لغة والده فلسوف تكون لغة أجنبية بالنسبة له.

كما أنه في لندن لن يشعر وكأنه في بيته بشكل كامل، وخاصة في الدوائر التي تتردد مادونا إليها. إنه طفل أسود ف�� عالم يسوده البيض، ولسوف يظل دوماً "اليتيم الذي تبنته مادونا ". إلا أن المصاعب الملازمة للحياة في ظل مثل هذه الظروف أقل ترويعاً بكل تأكيد من المخاطر التي كان ديفيد قد يواجهها لو ظل في دار الأيتام ـ هذا إن افترضنا أنه كان قد ينجح في البقاء على قيد الحياة.

لكن الأمر يشتمل على المجازفة بمسألة أكثر عمقاً في حالة ديفيد . ذلك أن مادونا بتبنيها لطفل من دولة فقيرة، تتبع بدعة استنها مشاهير آخرون مثل ميا فارو ، و إيوان مكجريجور ، و أنجيلينا جولي . هل تحقق حالات التبني هذه أي شيء أكثر من مجرد مساعدة الأطفال المتبنين كأفراد؟

إن تبني الأطفال من الدول النامية لا يعالج أسباب الفقر. وعلى الرغم من ارتفاع معدلات الإصابة بعدوى الإيدز والفيروس المسبب له، إلا أن تعداد السكان في ملاوي، مثلها في ذلك كمثل العديد من الدول النامية، يشهد نمواً سريعاً. ومن المتوقع أن يتجاوز تعداد سكانها تسعة عشر مليون نسمة بحلول العام 2025. وهذا من شأنه أن يفرض المزيد من الضغوط على الرقعة المحدودة بالفعل من الأراضي القابلة للزراعة في البلاد. ومن المؤكد أن تعليم الشباب في ملاوي، وبصورة خاصة الفتيات، وإتاحة وسائل منع الحمل على نطاق واسع، أفضل كثيراً من تبني أشخاص من دول أخرى لبضعة أطفال، فيما يتصل بإبطاء معدلات النمو السكاني.

من الجدير بالذكر أن ما تقوم به مادونا من جهود في هذا الميدان أكثر من مجرد تبني ديفيد . فمشروعها الذي أقامته تحت اسم "نهضة ملاوي" ( www.raisingmalawi.com )، سوف يساعد العديد من الأيتام غير ديفيد . والأهم من هذا أن ذلك المشروع، بالتعاون مع شركاء آخرين، يعمل على جمع التمويل اللازم لتوفير المعونات الزراعية، والرعاية الطبية، والتعليم للقرويين أيضاً. وإلى جانب إسهامات أنجيلينا جولي ، و بونو ، و جورج سوروس ، وكثيرين غيرهم، يحرص مشروع نهضة ملاوي على مساعدة مؤسسة "وعد الألفية" ( www.millenniumpromise.org )، وهي منظمة أسسها الخبير الاقتصادي البارز جيفري ساش من جامعة كولومبيا.

من بين الوعود التي بذلتها قمة الألفية التابعة للأمم المتحدة، والتي وقع عليها كافة زعماء العالم، تقليص الفقر المدقع في العالم إلى النصف، ووقف انتشار مرض الإيدز والفيروس المسبب له، وتوفير التعليم الأساسي لكل طفل في العالم بحلول العام 2015. وعلى الرغم من التقدم الملموس على مسار تحقيق هذه الغايات في آسيا، إلا أن تعداد من يعيشون في فقر مدقع اليوم في أفريقيا يتجاوز تعدادهم في العام 1990 بحوالي 140 مليون نسمة.

Fake news or real views Learn More

يرى المتشككون أن المساعدات الأجنبية غير قادرة على تقديم مساعدة حقيقية. ويسعى "وعد الألفية" إلى الرد على هذه الشكوك بالتقدم الذي تحرزه الجهود المخلصة في قرية واحدة في كل مرة. فمن خلال اختيار قرى بعينها وتزويدها بالرعاية الصحية الأساسية، وشباك تغطية الأسرة اللازمة لمنع الملاريا، والتعليم الأساسي، وتوفير البذور المحسنة والمعونات الزراعية الأخرى، تسعى المنظمة إلى البرهنة على أن خطط المعونة الشاملة جيدة التصميم قادرة، بتكاليف متواضعة نسبياً، على انتشال الناس من الفقر.

إلا أنه مما يؤسف له أن الاهتمام الذي تبديه وسائل الإعلام بهذه الجهود المثيرة العظيمة الأهمية، والقادرة على مساعدة الملايين من الأطفال، أقل كثيراً من اهتمامها بتبني مادونا لطفل واحد من ملاوي.