4

الفصل الثاني من الشراكة عبر المحيط الهادئ

كليرمونت ــ عندما قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب سحب الولايات المتحدة من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ في شهر يناير/كانون الثاني الماضي، رأي العديد من المراقبين في ذلك القرار نعمة للصين. وإذا كان الأمر كذلك، فقد لا تدوم هذه النعمة.

يستند الرأي السائد إلى منطق اقتصادي وجيوسياسي بسيط. فقد أصبحت الصين الشريك التجاري الأكبر لأي دولة آسيوية أخرى، واكتسبت نفوذا استراتيجيا غير عادي نتيجة لهذا. ومع اعتماد جيران الصين بشكل متزايد على السوق الصينية، يشير المنطق إلى أن نفوذ أميركا في المنطقة سوف ينحسر تدريجيا.

أدركت إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما العواقب الجيوسياسية البعيدة المدى الناجمة عن هيمنة الصين اقتصاديا في شرق آسيا. وكان أوباما ومستشاروه يأملون أن تعمل الشراكة عبر المحيط الهادئ، من خلال خلق كتلة تجارية جديدة مركزها الولايات المتحدة، على مقاومة نفوذ الصين والحفاظ على التفوق العسكري والاقتصادي الأميركي في المنطقة الأكثر ديناميكية في العالم.

ولكن برغم أن الإجماع على أن ترامب تنازل فعليا عن شرق آسيا للصين ليس مغلوطا بالضرورة، فإنه يتجاهل حقيقة جيوسياسية جوهرية مفادها أن التفوق الأميركي خلق حافزا قويا للركوب بالمجان في شرق آسيا. فمع تعود دول المنطقة على الاعتماد على المظلة الأمنية التي توفرها الولايات المتحدة ونظام التجارة الحرة، تقاعست عن الاستثمار في أمنها الوطني والاقتصادي. وعندما لا يصبح بوسعها أن تعتمد على السلع العامة التي توفرها الولايات المتحدة للحفاظ على السلام وتحقيق الرخاء، فسوف تواجه بعض الاختيارات العصيبة.

لا شك أن مجموعة من الدول سوف تقفز على العربة الصينية، على أمل الاستفادة من العلاقات الأوثق مع الدولة المهيمنة على آسيا في المستقبل في تأمين ما كانت تقدمه لها الولايات المتحدة. وتشمل هذه الكتلة دولا تحكمها أنظمة استبدادية ولا تخوض أي نزاع إيديولوجي أو إقليمي مع الصين، مثل تايلاند، وماليزيا، وكمبوديا، ولاوس.

وقد تبنت دول أخرى بالفعل استراتيجية تحوطية، والتي بموجبها تقيم علاقات أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة في حين تستفيد من سوق الصين الضخمة. وربما تندرج أستراليا وكوريا الجنوبية وسنغافورة ضمن هذه الفئة.

ولكن يبدو أن مجموعة ثالثة من الدول اختارت استراتيجية "اخدم نفسك بنفسك". فبعد أن أصبح استمرار الحماية الأميركية والإشراف على التجارة الحرة غير مؤكد على نحو متزايد، اتخذت هذه الدول تدابير استباقية للتصدي للقوة الصينية بمفردها، وليس بالتضامن على الأقل. والدول التي تقود هذه المهمة هي الهند واليابان ــ القوتان العظميان اللتان لا يمكنهما تصور العيش في آسيا التي تهيمن عليها الصين. وتنضم إليهما دول مثل فيتنام وإندونيسيا، والتي قاومت أيضا الدوران في فلك الصين.

وتُظهِر الهند واليابان أن القوى الكبرى في آسيا قادرة من خلال الدبلوماسية والتجارة على إحباط الطموحات الصينية بمفردها. ولتفعيل هذه الديناميكية، فلا حاجة بنا إلى النظر إلى ما هو أبعد من إعلان رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي مؤخرا عن اعتزام اليابان الم��ي قدما على مسار الشراكة عبر المحيط الهادئ. من المؤكد أن الثِقَل الاقتصادي للدول الإحدى عشرة المتبقية المطلة على المحيط الهادئ سوف يكون أقل مقارنة بالاتفاق الأصلي، في غياب المشاركة الأميركية. ولكن في عام 2016 كان مجموع الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول يتجاوز 10 تريليون دولار أميركي، وهذا الرقم أقل قليلا من الناتج المحلي الإجمالي الصيني الذي بلغ 11 تريليون دولار.

حتى الآن، لم تصدق على اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ كل الدول الموقعة المتبقية. ولكن إذا تعاونت هذه الدول في دفع الاتفاقية إلى الأمام، فربما تستسلم قوى آسيوية أخرى مثل كوريا الجنوبية وإندونيسيا لإغراء الانضمام إليها. وربما تكون هذه الإضافات الجديدة، إلى جانب تشكيل كتلة تجارية إقليمية جديدة، كافيا لشغل الفراغ الذي خلفه انسحاب أميركا جزئيا.

بطبيعة الحال، ليس من المضمون أن تكون استراتيجية خدمة الذات ناجحة في موازنة ثِقَل الصين. وسوف تكون الزعامة والتضحيات الكبيرة شديدة الأهمية أيضا. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية مباشرة، فتحت الولايات المتحدة أسواقها ونشرت مواردها المالية الهائلة لإعادة بناء اقتصادات اليابان وأوروبا الغربية التي دمرتها الحرب. وكانت خطة مارشال وغيرها من التدابير المماثلة جزءا من الاستراتيجية الأميركية إبان الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي. ونحن الآن نعلم أن هذه السياسات الاقتصادية المستنيرة لعبت دورا لا يقل أهمية عن الدور الذي لعبه التفوق العسكري في الفوز في ذلك الصراع.

من حسن الحظ أن آسيا اليوم ليست واقعة في قبضة حرب باردة. غير أن القوى الرائدة مثل اليابان والهند لابد أن تُظهِر أنها مستعدة وراغبة في تحمل تكاليف صيانة توازن القوى في المنطقة، ومنع هيمنة الصين على آسيا.

لقد أعلن شينزو آبي عزمه وتصميمه. والآن يتعين عليه أن يدعم كلماته بالعمل. ولكي يتسنى لها إقناع الدول الآسيوية المترددة بالتضامن، بدلا من الخضوع للصين، يتعين على اليابان أن تتبنى سياسات تثبت استعدادها لاستيعاب التكاليف المرتفعة اللازمة لإبقاء نفسها وشركائها خارج فلك الصين. وإذا وفت اليابان بقيادة شينزو آبي بتعهداتها، فسوف تشكل الشراكة عبر المحيط الهادئ، حتى وإن كانت أصغر حجما، تحديا كبيرا للصين في آسيا.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali