STEPHEN JAFFE/AFP/Getty Images

الجريمه وإنعدام العقاب لحرب العراق

برنستون- في الشهر الماضي أحيت صحيفة نيويورك تايمز الذكرى الخامسه عشر للحرب التي قادتها أمريكا على العراق بعمود مؤثر لسنان انطون وهو روائي عراقي يعيش في الولايات المتحده الأمريكيه تحت عنوان " قبل خمس عشرة سنه ، دمرت أمريكا بلادي " . لقد عارض انطون كلا من الدكتاتوريه الوحشيه لصدام حسين وغزو العراق الذي قادته امريكا سنة 2003 والذي أغرق البلاد في الفوضى واثار التوترات العرقيه وأدى الى مقتل مئات الالاف من المدنيين علما أن الحرب أدت الى زعزعة الإستقرار في المنطقة  مما ساهم في صعود تنظيم الدوله الاسلاميه والذي في اوج قوته احتل اجزاء مهمه من الاراضي العراقيه وقطع رؤوس خصومه ومارس التطهير العرقي ضد الاقليه اليزيديه بالاضافة الى نشر الإرهاب حول العالم .

إن مما لا شك فيه ان الحرب للاطاحة بصدام كانت خطأ مأساوي حيث يعتقد انطون انها كانت جريمه كذلك ولو كان هذا الكلام صحيحا فإن مرتكبي تلك الجريمه ما زالوا طلقاء . إن قله من الامريكان سيأخذون على محمل الجد التأكيد بإن الرئيس جورج بوش الابن وغيره من اعضاء ادارته –بما في ذلك نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد وجون بولتون والذي تم تعيينه مؤخرا من قبل الرئيس دونالد ترامب كمستشاره القادم للإمن القومي- هم مجرمو حرب كما أن قله من البريطانيين سينظرون الى رئيس الوزراء توني بلير كمجرم حرب كذلك ومع ذلك فإن الحجه بإنهم ارتكبوا جريمه هي حجه قويه على نحو مفاجىء.

إن فكرة ان البدء بحرب عدوانيه يعتبر جريمه تعود على اقل تقدير الى سنة 1919 عندما مهدت معاهدة فرساي لمحاكمة القيصر فيلهلم الثاني بسبب " الجريمه العظمى ضد الاخلاق الدوليه" ولم يتم اقامة مثل تلك المحاكمات بعد الحرب العالميه الاولى ولكن بعد الحرب العالميه الثانيه كان شن الحروب العدوانيه احدى التهم الاربعه التي اعتمدت عليها المحكمة الدوليه العسكريه خلال محاكمات نورمبرج من اجل ادانه 12 قائد نازي والحكم عليهم بالاعدام ومن بينهم مارشال الرايخ هيرمان جورنج ووزير الخارجيه جواكيم فون ريبينتروب والمشير فيلهلم كايتيل.

بعد المحاكمات وضعت مفوضية القانون الدولي التابعه للأمم المتحده المبادى القانونيه الأساسيه في وثيقة اطلقت عليها اسم "مبادىء نورمبرج "حيث تنص تلك المبادىء على ان اي شخص يرتكب جريمه بموجب القانون الدولي هو مسؤول عنها ويتعرض للعقوبه بغض النظر عن قانونية سلوكهم طبقا للقانون المحلي للدوله التي مارسوا فيها ذلك الجرم. تنص الوثيقه على بضعة جرائم بموجب القانون الدولي بما في ذلك "التخطيط والاعداد والبدء وشن الحرب العدوانيه أو حرب تنتهك المعاهدات أو الاتفاقيات أو التطمينات الدوليه " و "المشاركه في خطه مشتركه أو مؤامره " للبدء بمثل هذه الحروب أو شنها .

لقد لعبت الولايات المتحده الأمريكيه والمملكه المتحده أدوارا قياديه في محاكمات نورمبرج ولو فشلتا في تطبيق المعايير نفسها على قادتهما ، فهل يعني ذلك ان هناك بعض النفاق ؟

إن غزو العراق كان عملا عدوانيا ضد بلد لم يكن يهاجم أو يهدد بمهاجمة بلد آخر فالغزو كان عبارة عن انتهاك لميثاق الامم المتحده حيث يتضمن البيان بإن على "جميع الاعضاء الامتناع اثناء ممارستهم لعلاقاتهم الدوليه عن التهديد او استخدام القوه ضد سلامة اراضي اي دوله أو استقلالها السياسي أو بأي طريقه اخرى لا تتوافق مع أغراض الامم المتحده ". لقد سعى بوش وبلير للحصول على تفويض مجلس الامن الدولي للهجوم حيث أدعيا ان العراق كانت تنتهك اتفاقها المتعلق بنزع السلاح ولكن فرنسا والصين وغيرها من اعضاء مجلس الامن رفضت ذلك وجادلت بإن مفتشي الاسلحه الذين كانوا متواجدين في العراق آنذاك يجب السماح لهم بالاستمرار في عملهم من اجل تحديد ما اذا كان صدام يمتلك اسلحة الدمار الشامل ولكن مهما يكن من أمر مضى بوش وبلير قدما بالهجوم .

What do you think?

Help us improve On Point by taking this short survey.

Take survey

ان بولتون والذي كان في ذلك الوقت وكيل الوزارة للحد من التسلح والامن الدولي كان جزءا من "الخطه المشتركه لشن حرب عدوانيه" . لقد أساء بولتون لمحللي الاستخبارات الذين لم يتفقوا مع الطرح الذي ارادت ادارة بوش منهم ان يدعموه. لقد علق جون برادوس وهو زميل في ارشيف الامن القومي لجامعة جورج واشنطن بإن " المحللين الذين كانوا يعملون على الاستخبارات المتعلقه بالعراق لا يمكن توجيه اللوم لهم عندما وصلوا الى استنتاج مفاده بإن حياتهم المهنيه يمكن أن تكون في خطر لو قاموا بتوفير اجوبه تختلف عن تلك التي ارادت ادارة بوش سماعها". لقد قامت ادارة بوش بإستحضار ادله خاطئه ومضلله وابرزها مستندات مزوره تظهر بإن العراق قد سعى لشراء اليورانيوم من النيجر وذلك من اجل تبرير قرارها المتخذ سابقا لغزو العراق الغني بالنفط .

لقد قام بلير بتبرير الغزو قائلا بأنه كان ضروريا من اجل منع صدام من ارتكاب جرائم ضد الانسانيه وفي مذكراته الاخيره رفض جاريث ايفانز وزير الخارجيه الاسترالي السابق والمؤلف الرئيسي لعقيدة "مسؤولية الحماية" والتي تعتبر اساس التفكير الدولي فيما يتعلق بتبرير حرب ما على اساس التدخل الانساني ، ما ادعاه بلير . يقر جاريث بإن صدام قد ارتكب فظائع في الثمانينات واوائل التسعينات كانت يمكن ان تبرر التدخل ولكن بحلول سنة 2000 لم يكن سلوكه يعتبر "اكثر سوءا من عشرات من الاشخاص الذين اعتادوا على انتهاك حقوق الانسان حول العالم ".

إن من غير المرجح ان يحاكم بوش أو اي عضو من ادارته على جريمة شن حرب عدوانيه علما ان المكان الواضح لمثل تلك المحاكمه هو المحكمة الجنائيه الدوليه وعلى الرغم من ان الرئيس بيل كلينتون وقع الاتفاقية التي تؤسس المحكمة الجنائيه الدوليه قامت ادارة بوش بسحب التوقيع وما تزال الولايات المتحده الامريكيه دوله غير عضو في الاتفاقيه .

لكن هذا لا يعني انه لا فائده من مناقشة الطبيعه الجنائيه المزعومه للهجوم على العراق. لقد بدأت التوترات العالميه بالتصاعد منذ ان تولى ترامب مهام منصبه علما أن تعيين بولتون سيزيد من تلك التوترات وذلك نظرا لارائه المتشدده جدا فيما يتعلق بإيران وكوريا الشماليه . لقد حان الوقت لنذكر انفسنا بإن شن حرب عدوانيه هو عادة ما يكون خطأ ولكن دائما هو جريمه وحتى لو لم تتم معاقبة من ارتكبها .

http://prosyn.org/3atl0x7/ar;

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated cookie policy and privacy policy.