1

اقتصاد الهوية

بيركلي ودورهام ـ من بين أهم العناصر التي تضفي على الاقتصاد قوته تلك القدرة التي يتمتع بها على فحص الكيفية التي يتم بها اتخاذ القرارات من وجهة نظر صناع القرار. على سبيل المثال، يستطيع الاقتصاد أن يفسر لنا على هذا النحو لماذا يشترى المستهلكون ما يشترون من سلع. ويقدم لنا الاقتصاد أيضاً منظوراً في تفسير الأسباب وراء تفضيل العمال العمل لدى بعض أصحاب العمل دون غيرهم، ولماذا يبذلون قصارى جهدهم في العمل، بل ولماذا يسعون إلى العمل في المقام الأول.

ولكن في أغلب التحليلات الاقتصادية سنجد أن وجهة نظر صناع القرار ضيقة للغاية. فهي تبدأ بما يريده الناس وما لا يريدونه. فقد يميل الناس إلى تفضيل مذاق البرتقال أو الموز، أو قد يفضلون الاستمتاع بحياتهم اليوم بدلاً من الادخار للمستقبل. وعلى هذا فهم يقررون ماذا يشترون وكم يدخرون من مال، في ضوء أسعار السلع السائدة، وأسعار الفائدة، والدخول. ويدرج خبراء الاقتصاد ضمن هذه التحليلات تفاعل الناس مع الآخرين، ولكنهم كثيراً ما يتعاملون مع مثل هذه التفاعلات الاجتماعية على نحو ميكانيكي، وكأنها سلع مادية.

على سبيل المثال، في التحليل الاقتصادي القياسي للتمييز بين الجنسين في مكان العمل، لا يحب الرجال الاختلاط بالنساء في العمل ـ على نفس النحو الذي يفضلون به التفاح على البرتقال. وعلى نحو مماثل، يتلخص التحليل القياسي للتمييز العنصري في أن أصحاب البشرة البيضاء لا يريدون الاختلاط بغيرهم من أصحاب البشرة غير البيضاء، وهم بالتالي يطالبون بعلاوة في نظير الشراء من أو العمل مع أصحاب البشرة غير البيضاء.

ولكن لا التمييز بين الجنسين ولا التمييز العنصري ينشأ من تفضيلات شخصية بحتة. بل إن كل منهما يعكس بعض القواعد الاجتماعية التي تخبر الناس بالكيفية التي يفترض بها أن ينظروا إلى أنفسهم وكيف من المفترض أن يتفاعلوا فيما بينهم. والواقع أن الناس يأخذون هذه القواعد على محمل الجد. على سبيل المثال، في حالة التفرقة بين الجنسين، يرغب الرجال في التصرف كما يفترض أن يتصرف الرجال؛ ويرغب النساء في التصرف كما يفترض أن يتصرف النساء.