Commemoration of the victims of the Paris terrorist attack Aurelien Meunier/Getty Images

نموذج الصلابه الفرنسي تجاه الإرهاب

باريس- في عاصفه توتيريه جرت مؤخرا قام الرئيس الامريكي دونالد ترامب بوضع اخبار تستهدف تشويه سمعة المسلمين وهي اخبار منقوله من مجموعة الكراهية من اليمين المتطرف "بريطانيا أولا" مما يذكرنا بالإنقسامات العميقه والمخاوف التي زرعها الإرهاب في الديمقراطيات الغربيه.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

لكن ليس كل شخص يتعامل مع الهجمات الإرهابية بهذه الرجعيه التي أظهرها ترامب أو مجموعة بريطانيا أولا فمثلا في فرنسا والتي قام فيها تنظيم الدولة الاسلاميه بتاريخ 13 نوفمبر 2015 بهجمات ارهابية على قاعة باتاكلان للحفلات الموسيقية وغيرها من المواقع في باريس وعلى الرغم من مقتل 130 شخص وهو عدد اكبر من أي هجمات عنيفه سابقه ضد المدنيين في فرنسا منذ الحرب العالميه الثانيه فإن احياء فرنسا للذكرى الثانيه لذلك الهجوم كان محدودا وخافتا للغايه .

يبدو ان السلطات الفرنسيه ارادت تجنب اعادة التذكير بالصدمه المؤلمه لتلك الواقعه فتلك الصدمة هي حقيقه واقعه بالنسبة للعائلات التي فقدت احباءها والتي تشعر بالأسى الشديد الدائم وبالنسبة للناجين والذين حظيت تجربتهم بالقليل من الإهتمام .

إن الكثير من التغطيه الاخباريه التي واكبت هذه الذكرى اظهرت أنه بالنسبة لمعظم الضحايا وحتى اولئك الذين لم يتعرضوا لإذى جسدي فإن التأقلم مجددا مع الحياه أصبح محنه يوميه فمنذ الهجمات تأثرت علاقتهم مع محيطهم سلبا فأصبحوا يعانون من اضطرابات النوم والهلوسه والإكتئاب حيث تغيرت حياتهم بشكل كامل .

لقد نشرت صحيفة لوموند في نوفمبر مسح اشار عدد كبير من الضحايا فيه الى عدم قدرتهم على العوده الى العمل ومع كل هجوم جديد في فرنسا أو غيرها فإن شعورهم بالصدمه يتجدد ولقد قال احد الناجين "الحياه تمضي قدما " ولكن "أي حياه ؟"

على الجانب الاخر فلقد اثبت المجتمع الفرنسي صلابته فبعد هجمات باريس أظهر الفرنسيون بسرعه انهم لن يتخلوا عن اسلوب حياتهم او يستسلموا لإغراء الحرب الاهليه حيث لم تظهر موجات غضب كبيره ضد المسلمين في البلاد.

إن حالة الطوارى التي اعلنها الرئيس السابق فرانسوا اولاند بعد الهجمات مباشره سمحت للسلطات الفرنسية بالتحقق من فرض النظام العام وذلك عن طريق اعتقال المشتبه بهم وتفتيش المنازل واغلاق اماكن عباده محدده حيث انتقدت مجموعات حقوق الانسان بعض من تلك الاجراءات ووصفتها بإنها انتهاك للحريات العامه ولكن تطبيق تلك الاجراءات بشكل عام تم بسلاسه .

في 1 نوفمبر 2017 أصبحت العديد من اجراءات حالة الطوارىء مع بعض التعديلات جزءا من القانون وعلى الرغم من بعض الاحتجاجات المتوقعه فإن تشريع مكافحة الإرهاب يتمتع بدعم واسع من الفرنسيين حيث يبدو انهم راغبين في قبول قيود محدده على حرياتهم الشخصية من اجل الأمن الجماعي.

إن من نتائج الهجمات هو ان التعاون الدولي بين اجهزة الامن قد تعزز كما تم تبني تقنيات جديده وتم تطبيق المراقبه عن طريق الفيديو بشكل اوسع وفي وقت سابق من هذا العام قام الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بتأسيس قوة مهام متخصصه لمكافحة الارهاب في قصر الاليزيه ومع الوقت فإن الجنود المسلحين – وبعضهم كانوا هدفا لهجمات جديده- اصبح لديهم حضور اعتيادي في الشوارع الفرنسيه.

لكن ما يزال معظم الفرنسيين يشعرون بالقلق العميق من تهديد الارهاب ليس فقط من الخارج ولكن ايضا من أناس يعيشون في فرنسا وعادة ما يحملون الجنسيه الفرنسيه كما ان هناك مخاوف مماثله من الارهاب المحلي في العديد من الدول الأوروبيه الاخرى.

في السنوات الاخيره بعض من اولئك الذين انجذبوا للإرهاب ذو الطابع الإسلامي نفذوا هجمات بأدوات غير متطوره وذلك من السيارات وشاحنات التوصيل الى سكاكين المطبخ وعلى الرغم من أن المتطرفين العنيفين هم اقليه صغيره للغايه بين المسلمين ، الا ان افعالهم قد أدت الى تزايد انعدام الثقة في المجتمع الفرنسي.

والاسوأ من ذلك هو ان الحملات العسكريه الناجحه ضد تنظيم الدوله الاسلاميه تثير مخاوف جديده تتعلق بعودة المتطرفين العنيفين من سوريا وبالفعل عاد اكثر من 250 شخص بما في ذلك حوالي 60 طفل الى فرنسا وفي معظم الأحيان يتم اعتقالهم من قبل سلطات تطبيق القانون وجلبهم للعداله ولكن التعامل مع النساء والاطفال العائدين قد اصبح موضوعا مثيرا للجدل بحد ذاته وبالإضافة الى المتمردين المعروفين ،يتوجب على وكالات تطبيق القانون مراقبة الاف المشتبه بهم الاخرين .

إن الوضع الحالي يؤثر في نهاية المطاف على النهج الفرنسي المتعلق باستقبال المهاجرين واللاجئين ومعظمهم يأتي من دول ذات اغلبيه اسلاميه كما ان لهذا الوضع تأثير عميق على النقاش المستمر وغير المعلن في فرنسا عن وضع المسلمين ضمن المجتمع الفرنسي وبينما التعبيرات المرئيه للاسلام كانت منذ فترة طويله مثارا للجدل في فرنسا –بسبب التاريخ السياسي والاستعماري للبلاد ومفهوم الهويه الوطنيه والعلمانيه الثقافيه والقانونيه- فإن هناك جدل مماثل في المانيا وهولندا ودول اوروبيه اخرى.

لقد استعدت فرنسا خلال فترة السنتين منذ هجمات تنظيم الدوله الاسلاميه لمواجهة التهديد الارهابي ولكن الإجماع السياسي عن كيفية مكافحة الارهاب والذي ساد بعد هجمات يناير 2015 على شارلي ايبدو وسوبرماركت هايبركوشر للطعام اليهودي قد تقلص حيث يريد البعض الان اعتبار الارهاب كأحد اوجه الحياه وكأن العنف المتطرف يشكل خطرا مماثلا لحوادث الطرق او الكحول او الامراض.

إن هذا الطرح لن يجد له اذانا صاغيه في فرنسا فحتى لو بقي التهديد الارهابي موجودا على الدوام فإن الصلابه يجب ان لا تتحول الى رضوخ فلو وقع هجوم خطير آخر فإن مما لا شك فيه ان الفرنسيين سيحملون قادتهم المسؤوليه عن الفشل في حمايتهم ولو فشل المسؤولون المنتخبون في إتخاذ الاحتياطات اللازمه او اظهروا الخضوع والاستسلام فإن الناخبين سيدلون برأيهم فيهم في صناديق الاقتراع وكدليل على ذلك نجاح الاحزاب اليمينه في الإنتخابات الالمانيه والنمساويه الاخيره.

http://prosyn.org/IFNhz4b/ar;