32

لماذا دفن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي المدرسة النقدية

لندن ــ إن القرار الذي اتخذه بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتأخير زيادة أسعار الفائدة ما كان له أن يفاجئ كل من كان مصغياً لتصريحات رئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي جانت يلين. ذلك أن القرار لم يؤكد إلا على أن البنك ليس غير مبال بالمحنة المالية الدولية، وأن نهجه القائم على إدارة المخاطر يظل منحازاً بشدة لصالح "الأدنى لفترة أطول". ولكن لماذا إذن تصرفت الأسواق ووسائل الإعلام كما لو كان تحرك بنك الاحتياطي الفيدرالي (أو بتعبير أكثر دقة، تقاعسه عن التحرك) غير متوقع؟

إن ما صدم الأسواق حقاً لم يكن قرار البنك بالإبقاء على أسعار الفائدة عند مستوى الصِفر لبضعة أشهر إضافية، بل التصريح الذي صاحب ذلك القرار. فقد كشف بنك الاحتياطي الفيدرالي أنه غير مبال تماماً بالمخاطر المترتبة على ارتفاع التضخم وأنه حريص على دفع البطالة إلى ما دون المستوى الذي يعتبره أغلب خبراء الاقتصاد المعدل "الطبيعي" بنحو 5%.

هذه هي العلاقة ــ بين التضخم والبطالة ــ الكامنة في صميم كل المجادلات حول السياسة النقدية والعمل المصرفي المركزي. وتقوم كل النماذج الاقتصادية الحديثة تقريبا، بما في ذلك التي يستخدمها بنك الاحتياطي الفيدرالي، على النظرية النقدية لأسعار الفائدة والتي كان رائدها ميلتون فريدمان في خطاب تنصيبه الذي ألقاه أمام الجمعية الاقتصادية الأميركية في عام 1967.

فقد أكدت نظرية فريدمان أن التضخم من شأنه أن يتسارع تلقائياً وبلا حدود بمجرد انخفاض البطالة إلى ما دون الحد الأدنى الآمن، والذي وصفه بمعدل البطالة "الطبيعي". في أعمال فريدمان الأصلية، يُعَد معدل البطالة الطبيعي تخميناً نظرياً محضاً يقوم على افتراض "التوقعات المنطقية"، حتى برغم أنه كان متعارضاً مع أي تعرف طبيعي للسلوك العقلاني.