Skip to main content

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated Cookie policy, Privacy policy and Terms & Conditions

sierakowski49_michaklootwijk Getty Images_EUflageyesad michaklootwijk/Getty Images

عصر الإذلال في أوروبا

وارسو ـ في عام 2004، نشر عالم الاقتصاد الأمريكي جيريمي ريفكن كتابه الشهير "الحلم الأوروبي"،  حيث أعلن فيه أن القرن الحادي والعشرين سيكون لصالح أوروبا - بل وسيعتمد عليها. من وجهة نظر ريفكن، فإن أوروبا، التي تؤيد فكرة "الوحدة في التنوع"، ستواجه تحديات العولمة بفعالية. كان من المفترض أن تُمثل أوروبا "وعيًا عالميًا" جديدًا و "تحررًا من العبودية المادية"، والذي سيتم استبداله "بالتعاطف".

كلنا نعرف كيف تغير الوضع. كانت الولايات المتحدة المادية - التي توقع ريفكن تفوق أوروبا عليها- أكثر قدرة على التغلب على الأزمة المالية. وقد أبرز خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والأزمات في اليونان وكاتالونيا وانهيار الديمقراطية الليبرالية في أوروبا الوسطى والشرقية، أوجه القصور في فكرة "الوحدة في التنوع". كما أظهرت ردود فعل المجتمعات الأوروبية المعادية على موجة المهاجرين الفارين من الحروب والجوع أن التعاطف قد فشل في التغلب على المادية.

لم تكن أوروبا مخطئة، لكن أخطأ ريفكين. لم تكن أوروبا ملزمة بتحقيق النجاح. في الواقع، مع اقتراب نهاية عام 2019، يبدو الاتحاد الأوروبي عاجزًا عن مواجهة أهم تحدياته: إستكمال الاندماج الاقتصادي والسياسي للكتلة، وخلق سياسة دفاعية مشتركة، والحفاظ على المعايير الأساسية لسيادة القانون.

على سبيل المثال، تستجيب الحكومة البولندية لقرار محكمة العدل الأوروبية فيما يتعلق بانتهاكات استقلال القضاء من خلال سن تشريعات تسمح بإقالة قضاة البلاد إذا انتقدوا انتهاكات الدستور البولندي. عندما يعلن قادة حزب القانون والعدالة الحاكم في بولندا (PiS) عن "قرار تأديب هذه المجموعة"، فما الذي يمكن أن يفعله الاتحاد الأوروبي؟

إن تحليل ريفكن لا يركز بشكل كبير على الصين - التي لا يمكنها أن تحل محل الولايات المتحدة لمجرد ظهورها كقائد عالمي - بل على أوروبا. تُعد الصين الآن أكبر دولة مصدرة في العالم، وباعتبارها أكبر منتج للسيارات الكهربائية، فقد تتفوق على ألمانيا قريبًا لتصبح رائدة عالميا في صناعة السيارات. إن مكانة أمريكا كقوة عسكرية ومالية وابتكارية رائدة في العالم ليست مهددة في الوقت الحالي. تمكنت الولايات المتحدة من مواجهة التحديات السابقة من ألمانيا واليابان في كل مجال من هذه المجالات، ومن المرجح أن تقاوم تهديد الصين التنافسي أيضًا. لكن أوروبا لن تتمكن من القيام بذلك.

في الواقع، نشهد اليوم تغيرا كبيرًا في الأدوار بين أوروبا والصين مقارنة بالقرن التاسع عشر. بالنسبة للصين، كانت حقبة القرن التاسع عشر "عصر الإذلال"، حيث تم اختراقها من قبل الإمبراطوريات الفرنسية والبريطانية والألمانية، وكذلك من قبل روسيا والولايات المتحدة. قامت هذه القوى الأجنبية بفرض معاهدات تجارية مهينة، واستغلال الصين اقتصاديًا، والسيطرة عليها سياسياً.

Subscribe now
Bundle2020_web

Subscribe now

Subscribe today and get unlimited access to OnPoint, the Big Picture, the PS archive of more than 14,000 commentaries, and our annual magazine, for less than $2 a week.

SUBSCRIBE

اليوم، يُشبه الاتحاد الأوروبي بشكل متزايد الصين في القرن التاسع عشر: عبارة عن إمبراطورية غنية لا يمكن للآخرين احتلالها، لكنها ضعيفة بدرجة كافية ليتم التسلل إليها واستغلالها. في هذه الأثناء، لعبت الصين الدور السابق لأوروبا، حيث تمكنت الشركات والمستثمرين من دخول الاقتصاد الأوروبي وتوسيع نفوذهم.

يقوم المستثمرون الصينيون بشراء أفضل المصانع الأوروبية (بما في ذلك شركة "كوكا" الألمانية المتخصصة في صناعة الروبوتات) وأكبر موانئها (بما في ذلك دويسبورغ في ألمانيا، أكبر ميناء داخلي في العالم، وبيرايوس في اليونان). فهم يعملون على توقيع اتفاقيات اقتصادية غير متكافئة واحتلال الاتحاد الأوروبي تدريجياً، بدءًا من أضعف الروابط - لاسيما أوروبا الشرقية والجنوبية - وعلى وجه الخصوص هنغاريا واليونان والبرتغال.

والأسوأ من ذلك، ليس هناك أي رد فعل من بروكسل. هناك خطة غير فعالة لبناء أبطال صناعيين أوروبيين، وقد تم إلغاءها بسبب الخوف من انتهاك قواعد المنافسة في الاتحاد الأوروبي. لا يعرف الاتحاد الأوروبي ما يجب القيام به، خاصة فيما يتعلق بالبنية التحتية للشبكات اللاسلكية G5 العالمية التي تقوم الشركات الصينية ببنائها .

بالإضافة إلى ذلك، فإن تجنب القادة الأوروبيين لقضايا حقوق الإنسان واضح للغاية. بينما يقوم المواطنون في هونج كونج بالاحتجاج، ويعتمد الكونغرس الأمريكي تشريعات تهدد بفرض عقوبات محتملة على المسؤولين الصينيين لانتهاكات حقوق الإنسان، فإن أوروبا "تدعو الجانبين إلى ضبط النفس تفاديا لأي عدوان".

تكتفي أوروبا بالمراقبة لأن ليس لديها حجج تقدمها. ليس هناك وحدة عبر أطلسية، ولا شيء جديد سينشأ مكانها. حتى التعاون بين أجهزة الاستخبارات الأوروبية هو مجرد خُدعة: فقد عرف الصحفيون الشخص الذي أقدم على قتل قائد المتمردين الشيشان السابق في حديقة تيرغارتن في برلين في أغسطس/آب قبل قيام السياسيين الألمان بذلك.

إذا استمر هذا الركود، فإن السؤال الوحيد المطروح الآن هو هل ستصبح أوروبا تابعة للولايات المتحدة أو للصين. في النهاية، سيتقرر ذلك خارج الاتحاد الأوروبي. إذا انتصرت الانعزالية في أمريكا، فستصبح أوروبا تابعة  للصين. وإذا قررت الولايات المتحدة مواجهة الصين، فستظل أوروبا معتمدة على أمريكا.

حتى وقت قريب، كانت تأمل أوروبا أن تكون شريكًا للولايات المتحدة. لكن هذا يبدو غير مرجح على نحو متزايد - ليس فقط بسبب نهج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "أمريكا أولا"، ولكن أيضًا نتيجة لفشل الاتحاد الأوروبي. في مواجهة الصين الصاعدة، لا تقل السلبية الأوروبية إشكالية عن تقلبات ترامب المزاجية.

https://prosyn.org/soc5pQ2ar;