45

الخروج البريطاني والملك كانوت

لندن ــ تَصِف أسطورة الملك كانوت كيف أوضح أحد الملوك الأنجلوساكسون الأوائل لرعاياه حدود السلطة الملكية. وضع كانوت عرشه بالقرب من البحر وأمر المد المتزايد الارتفاع بالعودة إلى الوراء. وعندما ارتفع البحر كالمعتاد وغمر كانوت، قال لرجال حاشيته: "الآن فليعلم كل الرجال كم هي فارغة قوة الملوك".

ويبدو أن رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، التي ترفع شعار "الخروج البريطاني يعني الخروج البريطاني"، تعتقد أن رسالة كانوت كانت حول الديمقراطية وليس عِلم الفلك: إذ كان من الواجب عليه أن يعقد استفتاء. على الرغم من معارضة ماي انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، فإنها ترفع الآن شعارا جديدا: "سوف نحول الخروج البريطاني إلى نجاح لأن الشعب صَوَّت له".

بيد أن هذا محض هراء. فإذا أصبحت بريطانيا الدولة الأوروبية الوحيدة غير روسيا التي تستبعد نفسها من سوق الاتحاد الأوروبي الموحدة، فلن تنجح اقتصاديا، بصرف النظر عن الكيفية التي صَوَّت بها الناس. فما كانت الديمقراطية لتمنع موجات المد في المحيط، التي تدفعها الجاذبية، من إغراق كانوت إذا أصر على البقاء على عرشه، ولن يعيد الاستفتاء إلى الوراء موجات المد الاقتصادية التي تدفعها العولمة.

يدرك القائمون على الأعمال هذه الحقيقة. ولهذا السبب، تواجه بريطانيا الآن ما يسميه أهل الاقتصاد "عدم اليقين الجذري"، وهو موقف حيث يصبح من غير الممكن قياس المخاطر كميا بشكل عقلاني، الأمر الذي يجعل التغيرات في أسعار الفائدة، والضرائب، وقيم العملات غير فعّالة إلى حد كبير. وكما لاحظ بنك إنجلترا فإن العديد من قرارات الاستثمار وتوظيف العمالة لابد أن تتأخر الآن إلى أن تتضح الأمور في بريطانيا. وإذا مضى الخروج البريطاني قدما فسوف يستغرق هذا سنوات عديدة.