2

نهاية الإيبولا

دكار ــ إن وباء الإيبولا لا يهدد أرواح البشر في غرب أفريقيا فحسب، بل ويهدد أيضاً التقدم نحو الديمقراطية والنمو الاقتصادي والتكامل الاجتماعي الذي حققته ليبريا وسيراليون وغينيا في العقد الأخير. ومن أجل حماية إنجازاتها، فيتعين على حكومات البلدان الثلاثة، والتي تشكل اتحاد نهر مانو، دعم استجابتها للوباء الحالي من خلال استراتيجية منسقة لمنع انتشار الأوبئة في المستقبل.

ولكنها لا تستطيع أن تفعل هذا بمفردها. وعلى الرغم من العلاجات التجريبية العديدة واللقاحات المرشحة التي كانت قيد التطوير عندما بدأت عدوى الإيبولا تتفشى بشكل غير متوقع في وقت سابق من هذا العام، فقد توقف التقدم قبل أن يصبح في الإمكان الحكم على أي من هذه العلاجات واللقاحات بأنها جاهزة لتجربتها على البشر. ذلك أن البحوث السريرية اللازمة لتقييم سلامة وفعالية العقاقير واللقاحات الجديدة من غير الممكن أن تجرى إلا أثناء انتشار الوباء.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

وفي حين يبذل العاملون في مجال الصحة الجهود بلا كلل أو ملل لرعاية أولئك الذين أصابتهم العدوى، ومراقبة أولئك الذين ربما تصادَف اتصالهم بمصدر للعدوى، ومنع المزيد من انتقال العدوى، فإن الباحثين لديهم نافذة فرصة محدودة لكي يتعلموا كيفية معالجة أو منع المرض. ومن أجل تسريع وتيرة التقدم، فلابد أن تكون إدارة التجارب السريرية شفافة، ولابد أن تكون كل المعرفة عن المرض، بما في ذلك التطورات المتعلقة بالعلاجات واللقاحات المحتملة، متاحة للجميع ــ وهي الضرورات التي تتطلب قيادات قوية للصحة العامة في كل من بلدان نهر مانو والعالم المتقدم.

والخبر السار هنا هو أن بعض التقدم حاصل الآن، مع إجراء العديد من التجارب السريرية على اللقاحات بالفعل. وعلاوة على ذلك، فقد تم إنشاء منصة دولية واحدة على الأقل، بدعم من منظمة الصحة العالمية، للتجارب السريرية، لتقييم سلامة وفعالية علاجات الإيبولا التجريبية، فضلاً عن وضع معايير علمية وأخلاقية للرعاية.

ولكن من المؤسف أن هذه الجهود تفتقر إلى المشاركة الكافية من قِبَل الباحثين والعاملين في مجال الصحة السريرية ومسؤولي الصحة في غرب أفريقيا. وإجراء التجارب السريرية تحت رعاية وزراء الصحة في البلدان المتضررة بالمرض ومنظمة الصحة العالمية ــ مع تبني الشفافية الكاملة من حيث العمليات والنتائج ــ من شأنه أن يمكن السلطات المعنية من اتخاذ قرارات مستنيرة وفي الوقت المناسب بشأن أي العلاجات واللقاحات تستحق المزيد من الدراسة ومتى يمكن نشرها.

إن الكفاح ضد الأمراض المعدية مثل الإيبولا يؤثر على الجميع. ومن أجل تحقيق النجاح، فيتعين علينا أن نستفيد من خبرات الأفراد والمجموعات التي كانت عاكفة على دراسة مثل هذه الأمراض بهدوء وجدية وبشكل مستقل. وينبغي لهم أن يتبادلوا مع أولئك الصامدين على الخطوط الأمامية للمعركة كل المعلومات حول التاريخ الطبيعي للمرض، وطرق العدوى، وعوامل الخطورة، فضلاً عن البيانات قبل السريرية بشأن العلاجات التجريبية ــ والاستجابات السريرية لها.

وفي الوقت نفسه، لابد من تكريس المزيد من الخبرات العلمية لتحليل البيانات المشتركة وتقديم أفكار جديدة حول الوقاية والعلاج. وإذا لم يتقدم الباحثون من تلقاء أنفسهم، فيتعين على وزراء ومنظمات الصحة أن تعمل على وضع استراتيجيات لاجتذابهم ــ وبسرعة. فنحن في احتياج إلى أكبر عدد ممكن من الأفكار.

من المؤكد أن مثل هذا النهج القائم على "المصادر المفتوحة" ليس بالممارسة المعتادة في برامج البحث والتطوير في المجال الصيدلاني. ولكن الأزمة الحالية كشفت بوضوح عدم كفاية النهج السائد.

والواقع أن وباء الإيبولا الحالي ليس أول كارثة صحة عامة تسلط الضوء على إخفاقات النظام القائم. فقد كانت شركات الأدوية عازفة عن جعل الأدوية المضادة للفيروسات والمستخدمة بالفعل لعلاج فيروس ن��ص المناعة البشرية/الإيدز متاحة بطريقة فعالة من حيث التكلفة لاستخدامات الصحة العامة. ومع إملاء المصالح التجارية لأولويات العمل الصيدلاني العالمي، فإن البلدان النامية تخسر باستمرار ــ مع كل ما قد يترتب على ذلك من عواقب مدمرة.

في أي من أزمات الصحة العامة ــ وخاصة مثل أزمة تفشي مرض الإيبولا الحالية ــ لا ينبغي للأرباح المحتملة أن توجه عمليات تطوير العقار أو نشره. وبمجرد الحكم على لقاح أو علاج بأنه مناسب للتنفيذ، فلابد من إتاحته بكميات كبيرة وتقديمه بسرعة للمواطنين دون تحميلهم أي تكاليف.

لا شك أن التجارب السريرية الشفافية ومنصات البيانات المفتوحة تثير مخاوف أخلاقية مشروعة وأخرى تتعلق بالملكية الفكرية. ويظل الاستخدام الرحيم للعقاقير (توفير العقاقير التجريبية في الظروف الطارئة) مثيراً للجدال. ونظراً لارتفاع تكاليف البحث والتطوير فمن الطبيعي أن تخشى شركات الأدوية من إقدام المنافسين على هندسة عقاراتها عكسياً (لمحاولة إعادة تصنيع أدوية مشابهة).

ولكن لا ينبغي لنا أن نسمح لهذه المخاوف القديمة بعرقلة الجهود الرامية إلى التصدي للتهديد المباشر الذي يفرضه مرض الإيبولا. وبدلاً من ذلك، لابد أن تعمل الأزمة الحالية على تنشيط المناقشة حول هذه القضايا، بهدف صقل وضبط التوازن بين الصحة العامة والمصالح التجارية، وبالتالي تحسين الاستجابة العالمية لأزمات المستقبل.

ومن ناحية أخرى، تؤكد هذه المخاوف على ضرورة مشاركة مسؤولي الصحة العامة في مراقبة وتنسيق التجارب السريرية، والحاجة إلى تحسين عملية تبادل المعلومات بين الخبراء والبلدان المتضررة. إن منصة البيانات المفتوحة من شأنها أن تسهل مناقشة القيمة الاجتماعية للبحوث السريرية وما يرتبط بها من معضلات أخلاقية.

ويشكل عنصر الوقت أهمية بالغة. والعالم في احتياج إلى نهج مرن وأخلاقي وشفاف وقادر على التكيف في التعامل مع عمليات العلاج والوقاية على النحو الذي يسمح باتخاذ القرار السريع في مرحلة التطوير والتنسيق الفعّال في مرحلة النشر والاستخدام الفعلي.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

لا شك أن البلدان المتضررة بوباء الإيبولا المدمر اليوم سوف تستشعر تأثيره لسنوات قادمة. ولكن من خلال القيادة القوية لهيئات الصحة العامة والتنسيق الفعّال في الكفاح ضد الأمراض المعدية، سوف يتمكن أهل غرب أفريقيا ــ بل والعالم بأسره ــ من الاطمئنان إلى أن عودة الإيبولا مرة أخرى ليست بالاحتمال الوارد قريبا.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali