14

إعادة النظر في الديمقراطية

برينستون ــ وفقاً للعديد من المقاييس فإن العالم لم يكن من قبل قط أكثر ديمقراطية من حاله اليوم. فكل الحكومات تقريباً تُظهِر احترامها، ولو في خطابها على الأقل، للديمقراطية وحقوق الإنسان. ورغم أن الانتخابات قد لا تكون حرة ونزيهة، فقد أصبح التلاعب الجسيم بالانتخابات نادرا، كما ولت منذ زمن تلك الأيام التي كان فيها التصويت حقاً  مقصوراً على الذكور من ذوي البشرة البيضاء أو الأغنياء. وتُظهر دراسات المسح العالمية التي تجريها مؤسسة فريدوم هاوس زيادة مضطردة منذ سبعينيات القرن العشرين في حصة البلدان التي هي "حرة" ــ وهو الاتجاه الذي أطلق عليه العالم السياسي الراحل من جامعة هارفارد صامويل هنتنجتون اسم "الموجة الثالثة" من الديمقراطية.

ولعل نشر قواعد الديمقراطية من البلدان المتقدمة في الغرب إلى بقية العالم كان الفائدة الأكثر أهمية التي ترتبت على العولمة. ورغم هذا فليس كل شيء على خير ما يرام مع الديمقراطية. فأداء الحكومات الديمقراطية اليوم هزيل للغاية، ويظل مستقبلها غير مؤكد إلى حد كبير.

ففي البلدان المتقدمة، ينبع عدم الرضا والسخط على الحكومات من عجزها عن تسليم السياسات الاقتصادية الفعّالة لتحقيق النمو وتعميم فوائده على الجميع. وفي الديمقراطيات الأحدث عهداً في العالم النامي، يشكل فشل الحكومات في حماية الحريات المدنية والسياسية مصدراً إضافياً للسخط وعدم الرضا.

إن الديمقراطية الحقيقية، تلك التي تجمع بين حكم الأغلبية واحترام حقوق الأقليات، تتطلب مجموعتين من المؤسسات. فأولاً، هناك مؤسسات التمثيل كالأحزاب السياسية والبرلمانات والأنظمة الانتخابية، وهي المؤسسات اللازمة لاستخراج التفضيلات الشعبية وتحويلها إلى عمل سياسي. وثانيا، تتطلب الديمقراطية وجود مؤسسات التحكم والضبط مثل القضاء المستقل ووسائل الإعلام المستقلة، لدعم الحقوق الأساسية مثل حرية التعبير ومنع الحكومات من إساءة استخدام سلطتها. والتمثيل بلا تحكم وضبط ــ الانتخابات من دون سيادة القانون ــ يشكل وصفة أكيدة لطغيان الأغلبية.