4

جماهير مكتملة الصحة

برلين ــ مؤخرا، حضرت مؤتمر جيه بي مورجان للرعاية الصحية، والذي نستطيع أن نعتبره "دافوس عالم الطب". ومثله كمثل الاجتماع السنوي لكبار عالم المال والأعمال في إطار المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن مؤتمر جيه بي مورجان أشبه ببقعة الحبر في اختبار رورشاك: حيث تجد فيه دوماً ما تبحث عنه.

وأنا شخصياً مهتمة بالكيفية التي تتغير بها النماذج التجارية في مجال الرعاية الصحية ــ ليس وفقاً لخط تحليلي سلس، بل كمثال واحد في كل مرة. والواقع أن التغيير أقل ارتباطاً "بإصلاح" نظام الرعاية الصحية من ارتباطه بتحسين القدرة على الوصول إلى المعلومات التي تتجاوز المصادر التقليدية للتجارب السريرية وأنظمة تحصيل الفواتير الطبية. فالآن بات بوسعنا أن نعرف المزيد عن كل مريض على حِدة (وفي نهاية المطاف بيانات مجمعة)، عن استخدام العقاقير وأدائها في السوق (وليس أثناء الاختبار فحسب)، بل وحتى عن النتائج.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

وفي إطار البحث في هذا الموضوع، التقيت بمجموعة متنوعة من الشركات البادئة على هامش الحدث. (كان البرنامج الرسمي في أغلبه عبارة عن شركات متداولة في القطاع العام تتحدث عن التوقعات الخاصة بأرباحها، مع تخصيص قسم واحد لشركات مملوكة للقطاع الخاص.

فأولا، كان هناك أندرو برانديز من شركة شير براكتس، وهو الطبيب الذي كان يدير خدمة طبية عالية المستوى تحت مسمى كير براكتس في سان فرانسيسكو، ولكنه أدرك الحاجة إلى تبادل المعلومات بين الأطباء حول الكيفية التي يعالجون بها المرضى. ويعرض معيار الصناعة لقياس مثل هذه المعلومات، أو معيار "إبوكراتيز"، تطبيقاً محمولاً مع معلومات حول كل العقاقير في السوق تقريبا، ولكنه يهمل أنواعاً أخرى من العلاجات. (ويؤكد برانديز أيضاً على النفوذ الكبير الذي تمارسه شركات الإعلان؛ والواقع أن محتوى إبوكراتيز التعليمي ورسائل الرعاة هي فقط المدفوعة بالإعلانات. ولتفهم من هذا ما شئت).

وتتلخص فكرة برانديز في استخدام الجماهير كمصدر للمعلومات: وسوف يسجل الأطباء لبعضهم البعض العلاجات التي يستخدمونها فعليا. ولقد أراني قائمة الاتصالات لهاتفه المحمول؛ وأغلب المسجل عليها أسماء أطباء آخرين. وهو يتبادل المعلومات معهم بالفعل؛ وسوف تيسر شركة شير براكتس الأمر.

ولكن هل تكون لديهم الرغبة حقاً في تبادل مثل هذه المعلومات؟ يؤكد برانديز على هذا، لأنهم يمارسون هذا بالفعل، عن طريق الرسائل النصية، والبريد الإلكتروني، والهاتف: "إنها عملية مرهقة، فالبيانات غير منظمة على الإطلاق، وتنتهي الحال بالأطباء إلى تكرار أنفسهم، لأن البحث عبر ستة أشهر من الرسائل النصية أمر غير منطقي وغير عملي".

وتعمل شير براكتس على تبسيط العملية بالكامل. وفي نهاية المطاف، سوف تتبنى شير براكتس نفس نموذج العائدات الذي تستخدمه إبوكراتيز تقريبا: أو نظام فريميوم/الاشتراك، وربما المبيعات المؤسسية، والجيل الرائد. والأمر المختلف هنا هو أصول البيانات.

وعن طريق المصادفة تقريبا، كانت إحدى الجلسات التالية في المؤتمر تحت رئاسة شركة أثينا هيلث، التي أعلنت عن خططها للاستحواذ على إبوكراتيز! وقال جوناثان بوش الرئيس التنفيذي لشركة أثينا هيلث: "نحن لا نهتم بإيرادات إبوكراتيز. فالوعي بين الأطباء لدينا لا يتجاوز 30%، في حين بلغت نسبة الوعي بين أطبائهم 90%". وباختصار فإنه يرى في إبوكراتيز قناة للتسويق/التوزيع لمنتجات أثينا هيلث، ولا يبالي كثيراً بشأن إرضاء المعلنين.

والواقع أن التأثير الأساسي على كل من إبوكراتيز وشير براكتس من المرجح أن يكون من جانب المؤسسات التي تدفع للحصول على الأدوية (والإجراءات): "وهذا هو ما يقترحه أطباء آخرون، وهذه هي المجموعة الفرعية التي سوف يتم تغطية تكاليفها جزئياً على الأقل بواسطة التأمين على المرضى". وفي نهاية المطاف فإن مجموع الصيغ (القيود التي يفرضها الممولون على الأدوية التي سوف يقومون بتغطيتها، وإلى أي مدى)، وليس المعلنين، هو من سيتحكم في كيفية عرض الاختيارات.

وأخيرا، التقيت بشركة بادئة أخرى، وهي شركة وا��زر توجيزر، التي تتلخص فكرتها في تقديم المعلومات الخاصة بالاختيار بين العلاجات للمستخدمين على أساس شخصي. وكان المؤسسان يعملان كمستشارين للمؤسسات الصحية سابقا، ولقد استخدما دراسة مسح واسعة النطاق لكل من المرضى والأطباء (أكثر من 40 ألف فرد) لتوليد مجموعة البيانات الأساسية لشركتهما.

وتستخدم خدمة وايزر توجيزر واجهة تطبيق/نموذج عرض بيانات فريد من نوعه لتقديم المشورة الشخصية لمستهلكي الخدمات الطبية، ولو أنها سوف تباع في المقام الأول لمؤسسات وأطباء. وبوسعنا أن نعتبرها أداة اتصال بين الطبيب والمريض.

وفي حين تركز شير براكتس على الممارسة يوماً بيوم، فإن أداة وايزر توجيزر تصلح للمرضى الذين يفكرون إما في محاولة الجراحة أو الإشعاع لعلاج السرطان على سبيل المثال، أو العلاج الطبيعي أو العقاقير لعلاج ألام الظهر. وباستخدام أداة وايزر توجيزر يصبح بوسعهم الاطلاع على الخيارات التي يتخذها آخرون يشاركونهم تفضيلاتهم ــ على سبيل المثال، فيما يتصل بالفعالية، أو السرعة، أو التكاليف، أو الآثار الجانبية، أو كرههم للألم ــ ومدى رضاهم عن النتائج.

وتوالي وايزر توجيزر تحديث بياناتها بمرور الوقت، ولكنها لا تزال تعتمد في الأساس على أساليب المسح التقليدية، ولو أنها تحرص أيضاً على مراقبة ما يحدث في الميدان من خلال جمع البيانات من متطوعين ومن سجلات طبية. وتتقدم صناعة الرعاية الصحية ببطء نحو البيانات الفورية المولدة بواسطة المستخدمين. ومع توفر قدر أعظم من سيولة البيانات، يصبح من السهل مضاهاة المؤشرات الصحية (القادمة من كل من المرضى والأطباء)، وتفضيلات المرضى، والعلاجات المناسبة، والقيود التي يفرضها الممولون. فكلها مجرد بيانات على أية حال.

في الماضي، كنا نراقب حركة المرور على الطرق باستخدام كاميرات، فضلاً عن كاميرات محمولة على طائرات عمودية من حين إلى آخر. والآن نجمع ببساطة الإشارات الواردة من الهواتف النقالة التي يحملها ملايين من السائقين في مختلف أنحاء العالم. ونحن لا ننتهك خصوصياتهم، لأن لا أحد يبالي بمعرفة هوياتهم ــ بل أين هم وبأي سرعة يتحركون.

وهي نفس الحال تقريباً في مجال الرعاية الصحية. ففي البداية، نجري دراسات مسح رسمية وتجارب سريرية خاضعة لرقابة دقيقة؛ ويمثل كل مريض في مثل هذه التجارب الآلاف من المرضى الآخرين. والواقع أن مثل هذه التجارب تشكل أداة جيدة للتكهن بالأحداث.

ولكن ذات يوم في المستقبل، سوف تصبح الرعاية الصحية أشبه بالمرور على الطرق السريعة؛ فسوف يكون بوسعنا متابعتها بشكل فوري، وسوف نرى كيف يحقق الناس أهدافهم بالطرق التي يختارونها. وسوف يتمكن ملايين من الأشخاص من تحميل إحصاءات يومية بالاستعانة بأدوات لا تكتفي بمراقبة النشاط فحسب، بل وأيضاً تكوين الدم والمواد الكيماوية في بولهم.

Fake news or real views Learn More

هل تقود سيارتك في شوارع مانهاتن، أو موسكو، أو مومباي دون خريطة مرورية فورية؟ لم تعد مضطراً إلى هذا بعد الآن. وذات يوم سوف نفكر في التدخلات الصحية بنفس الطريقة.

ترجمة: هند علي          Translated by: Hend Ali