18

الفرار من إيطاليا

كمبريدج ــ في الرابع من ديسمبر/كانون الأول، يُعطي الاستفتاء في إيطاليا الناخبين الفرصة لقبول أو رفض ما اعتبره بعض المراقبين الإصلاحات الدستورية الأكثر شمولا منذ إلغاء النظام الملكي مع نهاية الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك فربما يفسر لنا تأييد أحزاب المعارضة الثلاثة في إيطاليا للخروج من منطقة اليورو لماذا وَعَد رئيس الوزراء ماتيو رينزي بالاستقالة إذا رفض الناخبون الإصلاحات.

من المفهوم، بعد الانتصار المفاجئ في يونيو/حزيران لحملة "الخروج" في استفتاء المملكة المتحدة على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وفوز دونالد ترامب في الحملة الرئاسية في الولايات المتحدة، أن لا يثق أحد في نتائج استطلاعات الرأي السابقة للتصويت الإيطالي. ولكن هناك استطلاع لحظي مزعج لمشاعر المستثمرين: فقد تسارع هروب رؤوس الأموال من إيطاليا هذا العام.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

وهناك سابقة حديثة لهذا. ففي صيف عام 2015، كان تخلف اليونان لفترة وجيزة عن سداد قرض صندوق النقد الدولي، وفرض الضوابط على رأس المال والقيود على سحب الودائع، في قلب الدراما التي شهدتها منطقة اليورو. وارتفعت حِدة التوترات بين الحكومتين اليونانية والألمانية، وتصاعدت التكهنات حول ما إذا كانت اليونان ستبقى في منطقة اليورو.

الآن تحولت الساحة إلى الاقتصاد الإيطالي الأكبر كثيرا. وفي البيئة الحالية التي تتسم بعدم اليقين، اتسعت الفوارق في العائدات على السندات الإيطالية إلى نحو 200 نقطة أساس فوق السندات الألمانية.

الواقع أن الأوضاع الاقتصادية والسياسية في هاتين الدولتين المثقلتين بالديون في جنوب أوروبا تختلف في نواح مهمة؛ ولكن هناك أيضا بعض أوجه التشابه. فقد تخلف النمو الاقتصادي في البلدين كثيرا وراء الاقتصادات المتقدمة الأخرى لأكثر من عقد من الزمن، ولكن على نحو أكثر بروزا منذ الأزمة المالية العالمية في الفترة 2008-2009. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن نصيب الفرد في الدخل في إيطاليا أصبح أقل بنحو 12% مما كان عليه في عام 2007، وكان أداء اليونان فقط أسوأ من أدائها.

الواقع أن مشكلة إعسار البنوك المتوطنة في اليونان، حيث تمثل القروض المتعثرة أكثر من ثلث الأصول المصرفية، ليست على نفس القدر من الانتشار في إيطاليا. ومع هذا فإن الحل غير المؤكد لثالث أكبر بنك في إيطاليا، مونتي دي باتشي، جنبا إلى جنب مع موارد الحكومة الإيطالية المحدودة في التعامل مع البنوك الضعيفة، كان سببا في إثارة القلق بين المودعين. كما يحذر المصرفيون أيضا من أن خطة إنقاذ مونتي دي باتشي ربما تتعرض للخطر بسبب استفتاء ديسمبر/كانون الأول، والذي قد يؤدي إلى إشعال شرارة جولة أخرى من تراجع أسعار الأسهم.

ولكن على الرغم من كل الحديث عن أزمة مصرفية وشيكة، فإن أزمة ميزان المدفوعات الجارية بالفعل في إيطاليا منذ النصف الأول من عام 2016 تُعَد العامل الرئيسي الذي يدفع الاستطلاع اللحظي لمشاعر المستثمرين. قبل تبني عملة اليورو، كان وضع ميزان المدفوعات غير المستدام في إيطاليا (كما هي الحال في دول أخرى تستخدم عملاتها المحلية) ليؤدي عادة إلى دفع البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة، وبالتالي جعل الأصول المالية المحلية أكثر جاذبية في نظر المستثمرين ومنع هروب رؤوس الأموال. ولأن البنك المركزي الأوروبي يضع السياسة النقدية لمنطقة اليورو بالكامل، فإن هذا لم يعد خيارا متاحا لبنك إيطاليا.

وربما تقرر البنوك المركزية في الدول التي تواجه تدافع المودعين لاسترداد ودائعهم أيضا السماح بانخفاض قيمة العملة والسماح للأسواق برسم مسار سعر الصرف، بدلا من محاولة "الدفاع" عن سعر تكافؤ محدد سلفا. وهذا أيضا خيار عفا عليه الزمن بالنسبة لإيطاليا. ففي حين قد يتقلب سعر اليورو بحرية في مقابل العملات الأخرى، فلا يوجد يورو "إيطالي" يمكن خفض قيمته في مقابل يورو "ألماني". وإذا كان رأس المال يتدفق إلى خارج إيطاليا وإلى ألمانيا، فلا يوجد مجال لخفض القيمة في إيطاليا، كما كان ليحدث قبل العملة الموحدة.

كما قَدَّم صناع السياسات في بعض الأحيان ضوابط رأس المال لإبطاء، إن لم يكن إيقاف، هروب رأس المال خلال أزمة ميزان المدفوعات. وقد لجأت اليونان وقبرص في منطقة اليورو، وأيسلندا خارجها، إلى هذا الخيار في الاستجابة لضغوط قاهرة. ولكن حرية حركة رأس المال المالي داخل منطقة اليورو مبدأ أساسي في تصميم العملة الموحدة، ولا تعتزم إيطاليا إلغاء هذا المبدأ، في الوقت الحالي على الأقل.

وإذا لم يكن رفع أسعار الفائدة، وخفض قيمة العملة وفرض الضوابط على التدفقات المالية من الخيارات القابلة للتطبيق، فماذا قد يكون بوسع البنك المركزي في أي دولة أن يفعل عندما يواجه تسارع هروب رؤوس الأموال؟ إذا لم يكن جزءا من اتحاد نقدي، فمن الممكن أن يلجأ إلى التدخل في السوق لدعم عملته، فيستخدم احتياطياته من النقد الأجنبي ويخسرها في هذه العملية. وتعكس الخسائر الهائلة التي تكبدتها المملكة العربية السعودية من احتياطياتها في أعقاب هبوط أسعار النفط هذه الاستجابة السياسية.

Italian capital flight

في منطقة اليورو، أصبحت هذه الخسائر من الاحتياطي تلقائية بموجب اتفاقية تارجت2، التي تمثل نظام التسويات الإجمالية اللحظية لليورو. فإذا نفد الاحتياطي لدى دولة ما، يقترض بنكها المركزي تلقائيا بهدف الحفاظ على الربط بين بلدان منطقة اليورو. وفي دولة تشهد هروب رأس المال (بقدر ما شهدت الدول الواقعة على المحيط الخارجي لمنطقة اليورو أكثر من مرة منذ عام 2008)، فإن هذا يعني ضمنا توازنا سلبيا تصاعديا بموجب تارجت2. واعتبارا من سبتمبر/أيلول (أحدث البيانات المتاحة)، كان عجز إيطاليا وفقا لتارجت2 أعلى من 20% من الناتج المحلي الإجمالي ــ وهي أسوأ قراءة له حتى يومنا هذا (انظر الرسم البياني). ووفقا لبعض التعريفات المعتادة، فإن هذه الخسائر في الاحتياطيات (المظللة في الرسم البياني) تبلغ مستوى الأزمة.

Fake news or real views Learn More

الواقع أن تجربة أيرلندا الأخيرة تؤسس لسابقة مشجعة تعكس هذا النوع من الدوامات الهابطة. وفي إيطاليا، في ظل البيئة السياسية المنقسمة بشدة، سوف تتطلب هندسة مثل هذا الانقلاب جهودا سياسية هائلة ــ وربما جرعة كبيرة من الحظ.

ترجمة: مايسة كامل Translated by: Maysa Kamel