4

نيتشه والاستفتاء البريطاني

كمبريدج ــ هجمات إرهابية. توترات بشان الأقليات الدينية والعِرقية. دعم متزايد للأحزاب السياسية المتطرفة. اتساع الهوة بين الشمال والجنوب. مستشارة ألمانية قوية. روسيا العدوانية الحريصة على توسيع نطاقها الجغرافي. المملكة المتحدة المتورطة في حروب نائية، والتي تسأل نفسها ما إذا كان ينبغي لها أن تنسحب من أوروبا القارية. نظام سياسي شاب ولِد بعد سلسلة من الحروب الدولية المدمرة وبات مهددا بالانهيار الآن.

الواقع أن قائمة المشاكل التي تواجه أوروبا اليوم طويلة، ولكن هذه الحال ليست غير مسبوقة. بل إن الطروف المعاصرة تبدو في كثير من النواحي مشابهة إلى حد مذهل لتلك الظروف التي واجهت ألمانيا في عهد أوتو فون بسمارك.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

في ذلك الحين، كان مكمن الخوف أن تعمل الأقليات الكاثوليكية في الجنوب على تقويض وحدة الإمبراطورية الألمانية المؤسَّسَة حديثا، والتي تسعى إلى جلب الاستقرار برغم صعود الحزب الاشتراكي الراديكالي، بعد سلسلة من الحروب الدموية (التي كانت أحدثها ضد الفرنسيين) ومحاولات اغتيال القيصر. كانت ألمانيا واقعة بين روسيا الإمبريالية وفرنسا الانتقامية. ومن ناحية أخرى، كانت بريطانيا متورطة في مغامرات عسكرية في آسيا والشرق الأوسط.

واليوم، بينما تواجه أوروبا تساؤلات صعبة حول مستقبلها، والتي تتمثل في الاستفتاء المقبل في المملكة المتحدة على عضويتها في الاتحاد الأوروبي، فربما يكون من المفيد أن نتذكر تجربة ألمانيا في أواخر القرن التاسع عشر. وإذا كان الأمر كذلك، فليس هناك من دليل لتلك التجربة ــ وتجربتنا ــ أفضل من فريدريك نيتشه، الذي كان واحدا من أكثر المفكرين إدراكا وبصيرة في عصره.

كان نيتشه ناقدا عنيفا لسياسة القوة، "الدم والحديد"، التي استخدمها بسمارك لتحقيق الوحدة الألمانية. وقد وصفها بكونها "مثالا لأخلاق العبيد" التي هاجمها بشدة في عمله العظيم "في أصل الأخلاق" ــ فهي تمثل نهجا "وضيعا" في التعامل مع الأخلاق ويركز ببساطة على تخفيف المعاناة.

كان نيتشه يدرك تمام الإدراك عن أي شيء يتحدث: فقد تطوع كضابط في سلاح الفرسان خلال الحرب الفرنسية الروسية. ورغم أن سقطة مؤذية منعته من المشاركة في القتال، فإنه خدم كمساعد ممرض ــ واكتسب خبرة مباشرة من صدمة الحرب. وكان نيتشه يرى أن ألمانيا العسكرية المولعة بالقتال التي خرجت من تلك الحرب فقدت اتصالها برسالتها الثقافية الأصلية.

وفي كتابه "وراء الخير والشر"، ذهب نيتشه إلى ما هو أبعد من ذلك، فاستكشف كيف قد تبدو هيئة النظام السياسي المتفوق ــ الذي يستند إلى "أخلاق السيد"، ويتجاوز المفاهيم التبسيطية الساذجة للخير والشر منتقلا إلى تطوير القيم من موقف "أخلاق السيد". وقد تصور أوروبا الموحدة التي تقودها نخبة ثقافية أوروبية عابرة للحدود الوطنية تركز ليس على العَظَمة بل على تطوير ثقافة أوروبية جديدة.

كما زعم نيتشه أن أوروبا القارية لن يكون لها صوت قوي في الشؤون العالمية إلا من خلال الوحدة، وهو ما كان يعني في ذلك الوقت أن تكون على قدم المساواة مع الإمبراطوريتين البريطانية والروسية في "اللعبة الكبرى" الاستراتيجية التي يحظى الفائز بها بالسيطرة على أفغانستان وشمال الهند. أما البديل ــ سياسات القوة التي انخرط فيها بسمارك ــ فكان "تافها ضيق الأفق"، لأنه يقوم على تفتت أوروبا وتفككها.

وقد فَكَّر نيتشه مليا في الكيفية التي قد تفرض بها هذه السياسة نفسها على أرض الواقع، فخمن أن التهديد المتنامي من قِبَل روسيا قد يحفز الوحدة. وكان يعتقد أيضا أن أوروبا القارية لابد أن "تتوصل إلى تفاهم" مع بريطانيا، التي كانت مستعمراتها تمثل شركاء تجاريين على قدر كبير من الأهمية لأوروبا.

ربما تغيرت التفاصيل، ولكن العديد من القضايا الأساسية ــ من التهديد الذي تفرضه روسيا إلى الفوائد الاستراتيجية المترتبة على التكامل الأوروبي ــ تظل هي ذاتها بلا تغير. وعن بريطانيا، فبرغم أنها لم تعد إمبراطورية، فإنها تظل على قدر كبير من الأهمية لاقتصاد أوروبا؛ والواقع أن الجوانب اللوجستية للتجارة في أعقاب الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي تمثل قضية أساسية في المناقشة الدائرة حول الاستفتاء. ورغم أن نيتشه لم يكن ليتمكن من التنبؤ بمستوى التكامل بين المملكة المتحدة وأوروبا القارية، فقد حذر على وجه التحديد من ذلك النوع من التشرذم الذي يهدد الاستفتاء البريطاني بتحريك عجلته.

Fake news or real views Learn More

الواقع أن قسما كبيرا من المناقشة الدائرة حول الاستفتاء على الخروج البريطاني لا يتصل إلا قليلا بأفكار نيتشه. ولكن لأن الحجج السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ساقها الجانبان كانت مدفوعة غالبا بالخوف، فيبدو لي أن المناقشة قد تستفيد من قدر إضافي من العمق الفلسفي. فمع وضع أفكار نيتشه في الاعتبار، ربما يدرك الناخبون البريطانيون أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي لهم أن يجيبوا عليه في الثالث والعشرين من يونيو/حزيران هو ما إذا كان ينبغي لهم أن يناصروا سياسة القوة التافهة الضيقة الأفق أو سياسة الوحدة العظيمة النبيلة.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali