American football players take a knee during the national anthem John Leyba/Getty Images

قوة المواطَنة الفاعلة

لندن ــ في جنوب أفريقيا، نَظَّم مؤتمر نقابات جنوب أفريقيا، وهو أكبر منظمة عمالية في البلاد، ما اعتُبِر أكبر احتجاجات شعبية منذ نهاية الفصل العنصري، ضد الفساد وسيطرة أصحاب المصالح على مفاصل الدولة. وفي مولدوفا يواصل المواطنون الاحتجاج على قانون انتخابي مثير للجدال ويحابي أكبر حزبين سياسيين في البلاد على حساب الحركات الأصغر حجما. وفي الولايات المتحدة، يركع لاعبو كرة القدم الأميركية المحترفون أثناء عزف النشيد الوطني للفت الانتباه إلى عنف الشرطة ضد ذوي البشرة السوداء.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

على الرغم من اختلاف هذه الأمثلة على الاحتجاجات العامة فإنها تتقاسم شيئا واحدا مشتركا: فهي تعكس جهودا يبذلها مواطنون عاديون ليس فقط لمحاسبة حكوماتهم، بل وأيضا الشركات وغيرها من المؤسسات. وتشكل مثل هذه الأفعال، وحق المواطنين في التنظيم والمشاركة فيها، ضرورة أساسية، وخاصة في الأوقات العصيبة.

وليس هناك من شك في أننا نعيش الآن وقتا عصيبا. فقد دأب الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون على تبادل الخطابات النارية، إلى الحد الذي يدفع كثيرون إلى الخوف من نشوب حرب على شبه الجزيرة الكورية ــ وربما حتى اندلاع صدام نووي. كما أحدثت كوارث طبيعية واسعة النطاق ــ الأعاصير في بورتوريكو، والفيضانات في جنوب آسيا، والزلازل في المكسيك ــ أضرارا جسيمة وأوقعت خسائر في الأرواح، ولكنها لم تسترع القدر الكافي من مساعدات الإغاثة.

علاوة على ذلك، اندلعت فضائح الفساد في جنوب أفريقيا، والبرازيل، وكوريا الجنوبية، ومع ذلك تظل الروابط بين عالَم المال والأعمال والحكومة في مختلف أنحاء العالَم معقدة، ووثيقة، وغير شفافة. وقد قطع الشعبويون من اليمين المتطرف خطوات سياسية كبيرة في الديمقراطيات الغربية، وأحدثها في ألمانيا. وفي الوقت نفسه تستمر فجوة التفاوت في الدخل في الاتساع.

على هذه الخلفية، من السهل أن نفهم لماذا يشعر الناس العاديون في مختلف أنحاء العالَم بالعجز على نحو متزايد. ولكن في الأوقات الأشد صعوبة يظهر معدننا الحقيقي. ومن الإيماءات الصغيرة بين الجيران والمساهمات الخاصة الكبيرة في جهود الإغاثة من الأزمات من قِبَل شركات كبرى، نستطيع أن نتبين وفرة من القصص الإنسانية، على المستويين الفردي والمؤسسي، والتي تمنح السبب للأمل. والواقع أن مثل هذه التصرفات، وما تعكسه من حِس المسؤولية الشخصية، هي التي تمكن مجتمعاتنا من التقدم والازدهار.

وكما نعلم تماما، في غياب القواعد والمسائلة، لا يمكننا الاعتماد دوما على قيام المسؤولين الحكوميين وقادة الأعمال بالتصرف السليم. وعلاوة على ذلك، تُفضي إخفاقاتهم الأخلاقية إلى عواقب بعيدة المدى، نظرا للنفوذ الكبير الذي يفرضونه على السياسة والاقتصاد.

مع ذلك، وعلى الرغم من الاتفاق العام على ضرورة حمل الحكومات على الامتثال لأعلى المعايير الأخلاقية (وإن لم يتم تطبيقها بالضرورة)، يزعم كثيرون أن الشركات ينبغي أن تتمتع بحرية ملاحقة الأرباح بأي ثمن. ولكن الشركات، مثلها في ذلك كمثل الحكومات، تُدار في نهاية المطاف من قِبَل الناس لخدمة الناس؛ ولهذا يجب أن تكون مسؤولة أيضا أمام الناس.

والمفتاح لفرض هذه المساءلة هو المواطَنة الفاعلة. وتعني المواطَنة الفاعلة، كما يتعلمها تلامذة المدارس في مختلف أنحاء العالَم من كندا إلى المملكة المتحدة، المشاركة السياسية على المستويات كافة. وهي ليست فكرة لطيفة فحسب؛ بل إنها تعبر أيضا عن مفهوم ديناميكي بالغ الأهمية وينبغي للأفراد والمنظمات والمؤسسات وضعه موضع الممارسة والتطبيق كل يوم.

تنطبق روح المواطَنة الفاعلة في كل مجال. عندما كنت أتحدث عن قضية مثيرة للجدال في أحد اجتماعات مجلس الإدارة قبل وقت ليس ببعيد، شعرت أنه من المهم أن يلحظ الناس أنني كنت أتحدث ليس فقط بوصفي عضوا في مجلس إدارة، بل وأيضا كشخص. والواقع أن هذا الإدراك، مهما بدا تافها، كان بمثابة تذكرة قوية بدرس أوسع: وهو أن المرء لابد أن يحرص على صيانة إحساسه بالصواب والخطأ، بصرف النظر عن الظروف.

إن إقناع المرء نفسه بأن القرار الذي يتخذه يرجع إلى أسباب عملية بحتة، من أجل تجنب المسائل الأخلاقية المعقدة، ليس بالخيار الوارد. فإذا كنت كشخص مؤمنا بحماية البيئة، أو أسعى في حياتي الشخصية والعملية إلى حماية أمني وخصوصيتي، فلا يجوز لي أن أتخلى عن هذه المعتقدات في قاعة اجتماعات مجلس الإدارة باسم تحقيق الربح. وتجنب المناقشة النشطة، في محاولة لتفادي مواجهة العواقب الأخلاقية الأقل وضوحا التي قد تنشأ عن قراراتي، ليس أقل مخادعة وخبثا.

إن كون المرء مواطنا فاعلا ومشاركا يعني كونه صادقا ومتعاطفا. وهو يعني النظر ليس فقط في ما قد تحمله قضية ما من معنى بالنسبة لنا، بشكل فردي، بل وأيضا في الكيفية التي قد تؤثر بها على آخرين. وقد يتساءل كثيرون لماذا يحتج لاعبو كرة القدم الأميركيون، الذين يجمعون غالبا ملايين الدولارات في كل موسم، على الظلم. السبب بسيط: فالمواطنة الفاعلة تعني الدفاع عن كل ما نؤمن به، سواء كان حكومة متحررة من الفساد أو إنفاذ القانون على نحو يخلو من العنصرية.

ربما تبدو روح النزاهة الشخصية والأصالة عاجزة في مواجهة الجشع الجامح والنرجسية المطلقة. ومع ذلك، تعكس الأوقات الشاقة والعصيبة التي نجد أنفسنا فيها الحاجة إلى التشديد بقدر أكبر، وليس أقل، على القيم التي ندعي احترامها والتمسك بها، وعلى استنباط طرق لتحقيق هذه القيم في مجتمعاتنا وبلداننا.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/9InxZpu/ar;

Handpicked to read next

  1. Chris J Ratcliffe/Getty Images

    The Brexit Surrender

    European Union leaders meeting in Brussels have given the go-ahead to talks with Britain on post-Brexit trade relations. But, as European Council President Donald Tusk has said, the most difficult challenge – forging a workable deal that secures broad political support on both sides – still lies ahead.

  2. The Great US Tax Debate

    ROBERT J. BARRO vs. JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS on the impact of the GOP tax  overhaul.


    • Congressional Republicans are finalizing a tax-reform package that will reshape the business environment by lowering the corporate-tax rate and overhauling deductions. 

    • But will the plan's far-reaching changes provide the boost to investment and growth that its backers promise?


    ROBERT J. BARRO | How US Corporate Tax Reform Will Boost Growth

    JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS | Robert Barro's Tax Reform Advocacy: A Response

  3. Murdoch's Last Stand?

    Rupert Murdoch’s sale of 21st Century Fox’s entertainment assets to Disney for $66 billion may mark the end of the media mogul’s career, which will long be remembered for its corrosive effect on democratic discourse on both sides of the Atlantic. 

    From enabling the rise of Donald Trump to hacking the telephone of a murdered British schoolgirl, Murdoch’s media empire has staked its success on stoking populist rage.

  4. Bank of England Leon Neal/Getty Images

    The Dangerous Delusion of Price Stability

    Since the hyperinflation of the 1970s, which central banks were right to combat by whatever means necessary, maintaining positive but low inflation has become a monetary-policy obsession. But, because the world economy has changed dramatically since then, central bankers have started to miss the monetary-policy forest for the trees.

  5. Harvard’s Jeffrey Frankel Measures the GOP’s Tax Plan

    Jeffrey Frankel, a professor at Harvard University’s Kennedy School of Government and a former member of President Bill Clinton’s Council of Economic Advisers, outlines the five criteria he uses to judge the efficacy of tax reform efforts. And in his view, the US Republicans’ most recent offering fails miserably.

  6. A box containing viles of human embryonic Stem Cell cultures Sandy Huffaker/Getty Images

    The Holy Grail of Genetic Engineering

    CRISPR-Cas – a gene-editing technique that is far more precise and efficient than any that has come before it – is poised to change the world. But ensuring that those changes are positive – helping to fight tumors and mosquito-borne illnesses, for example – will require scientists to apply the utmost caution.

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now