1

الغذاء الفاضل

كمبريدج، ماساتشوستس ــ لقد حدَّد القول المأثور "أنت ما تأكل" الفِكر الغذائي لمئات السنين. والتفسير السائد بسيط: إن أجسامنا، مثل كمثل الأطعمة التي نتناولها، عبارة عن مركبات كيميائية. ولكي نعيش حياة طويلة وصحية، ومن أجل تعظيم إمكاناتنا، فيتعين علينا أن نستهلك المواد الكيميائية المناسبة ــ أي الأطعمة التي تحتوي على المواد المغذية الصحيحة. ولكن قبل فترة ليست بالبعيدة كنا نفهم هذا القول المأثور بشكل مختلف تماما، الأمر الذي يدل على تحول عميق في الطريقة التي نفكر بها في نظامنا الغذائي وأنفسنا ــ التحول الذي يفرض تأثيرات قوية على المناقشات الدائرة حالياً حول الصحة.

في الطب اليوناني والروماني القديم، كانت الوقاية مفتاحاً أساسياً إلى الصحة. وكان النظام الغذائي، الذي يطلق عليه "علم النظم الغذائية" عادة، ينص على نمط حياة مصمم للحفاظ على الناس أصحاء البدن. وفي حين بذل الأطباء قصارى جهدهم لعلاج المرضى، فإن علم النظم الغذائية كان بمثابة المجال الأكثر أهمية في الممارسة الطبية. فبتبني نظام غذائي سليم، يُفتَرَض ألا يحتاج المرء إلى أي علاج أبدا.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

وكان علم النظم الغذائية أشبه بوصفة طبية لنمط موجه للمعيشة، يرشد الناس ليس فقط فيما يتصل بمسائل الطعام والشراب، بل وأيضاً كافة جوانب حياتهم التي تؤثر على رفاهتهم، بما في ذلك محال الإقامة، وممارسة التمارين الرياضية، وأنماط النوم، وحركة الأمعاء، والنشاط الجنسي، فضلاً عن المنطقة التي يهملها الطب اليوم: السيطرة العاطفية.

باختصار، كان علم النظم الغذائية مسألة تتعلق بالفضيلة بقدر ما تتعلق بالصحة البدنية. ولقد أنعمت علينا مهنة الطب بالنصائح حول الكيفية التي ينبغي للمرء أن يتناول طعامه بها، وفي الوقت نفسه حول الكيفية التي ينبغي له أن يعيش بها حياته ــ وحول الشخصية التي ينبغي له أن يكون عليها.

والواقع أن النصيحة التقليدية التي يقدمها علم النظم الغذائية الآن تبدو مبتذلة، مع تركيزها شبه المطلق على الاعتدال. على سبيل المثال، قد يوصي مستشار علم النظم الغذائية بأن يمتنع المرضى عن الإكثار أو الإقلال من الطعام؛ وأن يناموا كلما احتاجوا إلى النوم، ولكن ليس بإفراط؛ وأن يمارسوا التمارين الرياضية، ولكن ليس بعنف؛ وأن يتحكموا في الغضب والإجهاد. كان معبد أبولو في دلفي يحمل النقش التالي على جدرانه "لا إفراط"، في حين أكَّدَت فلسفة أرسطو أن الاعتدال هو الطريق إلى الخير.

ونظراً للهوس الحالي بالأنظمة الغذائية المبتدعة والبحث الأبدي عن العلاجات البسيطة لظروف صحية معقدة، فإن الاعتدال في كل شيء قد يبدو وكأنه علاج رديء. ولكن الاعتقاد السائد في علم النظم الغذائية بأن الصحة والأخلاق وجهان لعملة واحدة يُعَد فكرة عميقة الجذور. فالمسيحية على أية حال تعتبر الشراهة واحدة من الخطايا السبع المهلكة، في حين تعتبر الاعتدال واحدة من الفضائل.

لقد تحول الاعتدال إلى فكرة مسيطرة: فمن خلال مد جذور المشورة الطبية إلى أنظمة قوية من القيم الاجتماعية، عمل علم النظم الغذائية على تشكيل الفكر الطبي لقرون من الزمان. وكان رفض نصيحة علم النظم الغذائية لا يقل جسامة عن رفض الحكمة الأخلاقية.

والآن يبدو هذا المزج بين الطب والأخلاق غير علمي إلى حد السذاجة، بفضل "علم التغذية الحديث"، الذي حل محل النظم الغذائية التقليدية كنظام رسمي في القرنين التاسع عشر والعشرين. واليوم أصبح من الأرجح أن يقترح خبراء التغذية مراقبة مستويات الكولسترول لا أن يقدموا مثل هذه النصائح الشاملة البديهية مثل "الاعتدال". كانت الشراهة ذات يوم خطيئة؛ والآن أصبحت السمنة مرض (أو "عامل خطر" لأمراض أخرى).

ولأن العلم يتقدم ظاهرياً من خلال تنحية المسائل الأخلاقية جانباً لمعالجة العلاقات بين الأسباب والنتائج، فإن هذا التحول قد يُعَد تقدما. ولكن الفصل بين ما هو "خير" وبين ما هو "خير بالنسبة لشخص بعينة" يعمل على الحد من تأثير الخبرات الغذائية الحديثة على سلوك الناس، ويقوض في النهاية هدف تحسين الصحة العامة.

إن التحولات التاريخية لا يمكن إبطالها. ولكن الطرق التي تتعامل بها المجتمعات الحديثة مع الإسراف والشطط، سواء في النظام الغذائي للناس أو أنماط حياتهم، تستحق التأمل. على سبيل المثال، أحد التفسيرات المعقولة لارتفاع معدلات السمنة والبدانة اليوم هو انحدار الوجبة الأسرية ــ التي كانت تحث الأطفال على "تناول المزيد من الطعام"، ولكنهم كان من المرجح أن يتعرضوا للتأنيب أيضاً عندما يتناولون من الطعام "ما يتجاوز القدر الكافي". وفي ثقافة "كل واجر" السائدة اليوم، يميل الناس على نحو متزايد إلى استهلاك الأطعمة بعيداً عن الخوف من نظرات الاستهجان. فالأفراد يأكلون وحدهم، والجماعات تصاب بالبدانة معا.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

وفي حين لا يوجد حل بسيط لمشاكل اليوم الغذائية، فبوسعنا أن نتخذ قراراً جماعياً بإعادة النظر ليس فقط فيما نتناوله من أطعمة، بل وأيضاً في النهج الذي نتبناه في التعامل مع الطعام، والعودة إلى إدراك القيمة المتأصلة في تناول الطعام في جماعة. فتناول وجبة مشتركة مع مجموعة من الناس قد يكون خيراً لك، وخيراً محضاً في آن.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali