3

الطريق الإقليمية إلى التجارة الحرة العالمية

مدريد ــ فيما تنتظر جولة الدوحة المحتضرة من محادثات التجارة الحرة المتعددة الأطراف طقوس الوداع، ظهرت موجة جديدة من مفاوضات التجارة الإقليمية لكي تتولى بحكم الأمر الواقع مهمة إنشاء نظام للتجارة العالمية. وقد وضعت إدارة الرئيس باراك أوباما الولايات المتحدة في قلب هذا التحول، فتبنت مبادرتين متزامنتين من المفاوضات الكبرى: شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي مع الاتحاد الأوروبي؛ والشراكة عبر المحيط الهادئ مع 11 دولة في الأميركيتين وآسيا.

وباعتبارها الطرف الوحيد المشترك في المبادرتين فإن الولايات المتحدة في وضع يسمح لها إما بدفع المبادرتين إلى الأمام بشكل متناغم أو الاستفادة من التقدم في إحدى المبادرتين ضد الأخرى. وبعيداً عن التأثير على شركاء التفاوض المباشرين لأميركا، فإن النهج الأخير من شأنه أن يلحق أشد الضرر بالتقدم في إنشاء نظام عالمي قائم على قواعد متفق عليها.

ومن الممكن أن تنجح استراتيجية المفاوضات الإقليمية فتوفر الأساس الذي قد يقوم عليه نظام للتجارة العالمية شريطة إيجاد التوازن بين المبادرتين وتيسير الوصول إليهما من قِبَل المجتمع الدولي ككل. وإلا فإن الخطر قائم في نشوء اختلالات توازن عالمية باهظة الثمن بل وحتى انقسامات عميقة.

وتستطيع أوروبا أن تلعب دوراً مهماً في هذا الصدد. إن توسيع المناقشة إلى ما هو أبعد من مجرد التركيز على الاتفاقيتين الكبيرتين ــ وبعيداً عن بعض الموضوعات الخاصة بهما ــ من شأنه أن يخلق شعوراً بالإلحاح والرغبة في الإنجاز، وأن يدفع الولايات المتحدة إلى المشاركة بقوة وإلا فإنها تجازف بخسارة دورها المركزي في أجندة التجارة العالمية. والاتحاد الأوروبي في وضع يسمح له بتعزيز مناخ موات من خلال استغلال شراكاتها التجارية القائمة بالفعل، بداية باتفاقيتي التجارة الحرة القديمتين بين الاتحاد الأوروبي وعضوي الشراكة عبر المحيط الهادئ المكسيك وشيلي، فضلاً عن سنغافورة التي أتم معها الاتحاد الأوروبي مؤخراً مفاوضات التجارة الحرة.