14

الأرواح في مقابل الأرباح

نيويورك ــ بدأت المحكمة العليا في الولايات المتحدة مؤخرا مداولاتها في قضية تسلط الضوء على مسألة شديدة التعقيد تتصل بحقوق الملكية الفكرية. ويتعين على المحكمة أن تجيب على السؤال التالي: هل من الممكن إخضاع الجينات البشرية ــ جيناتك ــ لبراءات الاختراع؟ أو بعبارة أخرى، هل ينبغي لنا أن نسمح لأي شخص في الأساس بامتلاك حقوق إجراء فحص يحدد ما إذا كنت على سبيل المثال تحمل مجموعة من الجينات التي تشير إلى احتمالات أعلى من 50% بإصابتك بسرطان الثدي؟

بالنسبة لمن هم خارج عالم حقوق الملكية الفكرية الغامض فإن الإجابة تبدو واضحة: كلا بكل تأكيد. فأن تملك جيناتك. وأي شركة قد تمتلك على أكثر تقدير حقوق الملكية الفكرية التي أسست لابتكار فحصها الجيني؛ ولأن برامج البحث والتطوير المطلوبة لتطوير الفحص ربما كلفت الشركة مبالغ ضخمة، فإن الشركة ربما تتقاضى عن استحقاق تكاليف إجراء الفحص.

ولكن شركة مايريد جينيتكس التي تتخذ من ولاية يوتا مقراً لها، تدعي ما هو أكثر من ذلك. فهي تزعم أنها تمتلك الحق في أي فحص يشتمل على الجينين الحاسمين المرتبطين بسرطان الثدي ــ وقد مارست ذلك الحق بكل قسوة، رغم أن الفحص الذي تجريه أقل كفاءة من فحص آخر كانت جامعة ييل على استعداد لطرحه بتكلفة أقل كثيرا. وكانت العواقب مأساوية: ذلك أن الفحوص الشاملة التي يمكن إجراؤها بأسعار معقولة لتحديد المرضى المعرضين لخطورة عالية من شأنها أن تنقذ الأرواح. ومنع مثل هذه الفحوص يعني تكاليف في الأرواح. والواقع أن مايريد مثال صادق للشركة الأميركية التي يمثل الربح بالنسبة لها قيمة أعلى من كل القيم الأخرى، بما في ذلك قيمة الحياة البشرية ذاتها.

إنها قضية مؤثرة بشكل خاص. فعادة، يتحدث خبراء الاقتصاد عن المقايضات: فيزعمون أن حقوق الملكية الفكرية الأضعف، من شأنها أن تقوض حوافز الإبداع. والمفارقة العجيبة هنا هي أن اكتشاف شركة مايريد كان ليتم التوصل إليه في كل الأحوال، نظراً للجهود الدولية الممولة حكومياً لفك شفرة الجينوم البشري بالكامل، والتي مثلت إنجازاً فريداً من نوعه للعلوم الحديثة. وتضاءلت الفوائد الاجتماعية التي ترتبت على توصل مايريد قبل وقت مبكر قليلاً إلى هذا الاكتشاف أمام التكاليف التي فرضها سعيها المتحجر القلب إلى جني الأرباح.