14

آخر معاقل نهرو؟

نيودلهي ــ كان انتصار حزب بهاراتيا جاناتا وزعيمه نارندرا مودي في الانتخابات العامة التي شهدتها الهند الشهر الماضي سبباً في إثارة سؤال بالغ الأهمية يتعلق مستقبل البلاد. فمع وصول بهاراتيا جاناتا إلى السلطة بهذا الانتصار الساحق وعلى أساس برنامج انتخابي من النزعة القومية العدوانية والفكر المحابي للمصالح الشركاتية، هل نستطيع أن نقول إن الإجماع الاقتصادي الاجتماعي الذي يرجع تاريخه إلى جواهر لال نهرو، الزعيم الاشتراكي الديمقراطي وأول رئيس وزراء للهند، قد بلغ منتهاه؟

لقد عمل "إجماع نهرو" على تيسير النضوج الديمقراطي في الهند واستيعاب المصالح المختلفة المتعددة في البلاد، من دون السماح لأي مجموعة أو قسم من البلاد بالهيمنة على الدولة القومية الوليدة. ومن المألوف اليوم أن نجد من يندد باشتراكية نهرو باعتبارها النظام الفاسد غير الفعّال الذي حكم على الهند بسنوات طويلة من النمو الاقتصادي البطيء. ولكن في قلب اشتراكية نهرو كان هناك اقتناع يقيني بأن هدف السياسة الحكومية في بلد يعاني من الفقر المدقع والتفاوت الشديد بين الناس لابد أن يتلخص في تحسين رفاهة الأكثر فقراً وحرماناً وتهميشا.

وفي أيام نهرو، كان السبيل الأفضل لتحقيق هذه الغاية يتمثل في بناء هياكل الملكية العامة وسيطرة الدولة على الموارد، وهو ما يشمل أيضاً تعزيز القدرة الاقتصادية من خلال التدخل الحكومي. وبطبيعة الحال، لم تخل رؤية نهرو الاقتصادية من العيوب، والتي سمحت على سبيل المثال بظهور ما يسمى بـ"نظام حصص أذون التراخيص"، والذي بموجبه خنقت السيطرة الحكومية النشاط التجاري، الأمر الذي أدى بدوره إلى الإبقاء على معدلات النمو في الهند عند مستويات أدنى من تلك التي سجلتها جيرانها في جنوب شرق آسيا.

وقد ألغت الهند العديد من هذه الأنظمة المرهقة في ثمانينيات القرن العشرين، عندما كان راجيف غاندي، حفيد نهرو، في السلطة. ثم في أعقاب الإصلاحات التي بدأها خلفاؤه على رأس حزب المؤتمر الوطني الهندي، ناراشيما راو ومانموهان سينغ، دخلت الهند مرحلة جديدة واثقة من النمو المزدهر والدينامية الاجتماعية الاقتصادية.