32

تهانينا أيها الرئيس ماكرون ــ الآن نعارضك

أثينا ــ قبل الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وَعَدَت حركة الديمقراطية في أوروبا 2025 (حركة عموم أوروبا من الديمقراطيين، وأغلبهم من اليسار، والتي ساعدت في تأسيسها) إيمانويل ماكرون بأننا سوف "نعبئ جهودنا بالكامل لمساعدته" في إلحاق الهزيمة بمنافسته مارين لوبان. وقد فعلنا هذا ــ الأمر الذي أثار غضب كثيرين على اليسار ــ لأن الحفاظ على "مسافة متساوية بين ماكرون ولوبان" كان في اعتقادنا سلوك "لا يمكن تبريره".

ولكن وعدنا لماكرون كان يتألف من قسمين: فإذا أصبح "مجرد موظف آخر ينفذ إرادة المؤسسة العميقة في أوروبا"، وسعى إلى تنفيذ السياسات النيوليبرالية التي وصلت إلى طريق مسدود بالفعل، فلن تكون "معارضتنا له أقل قوة ونشاطا من معارضتنا لمارين لوبان الآن".

بعد ارتياحنا لفوز ماكرون وفخرنا بدعمنا الواضح له، يتعين علينا الآن أن نفي بالجزء الثاني من وعدنا. فنحن لن نهادنه، بل يتعين علينا أن نعارض ماكرون على الفور. وإليكم السبب.

لقد أوضح برنامج ماكرون الانتخابي عزمه على الاستمرار في سياسات سوق العمل التي بدأ عرضها عندما كان وزيرا للاقتصاد في حكومة الرئيس السابق فرانسوا هولاند. وبعد أن تحدثت معه عن هذه السياسات، لم يعد لديّ شك في إيمانه القوي بها. فهو يتبع تقليدا عريقا في إلقاء اللوم على القيود القانونية التي تحكم فصل العمال واعتبارها السبب وراء هبوط معدلات التشغيل الدائم للعمالة وظهور تقسيم جديد بين الموظفين المحميين والعمالة غير المستقرة ــ بين المطلعين الذين يشغلون مناصب شبه دائمة ومجزية الأجر والغرباء الين يعملون كمقدمي خدمة من دون الحصول على أي فوائد وبعقود حرة غير ملزمة ولا تنص على حد أدنى لساعات العمل. ومن هذا المنظور، تمثل نقابات العمال واليسار قوة محافِظة حقا، لأنها تدافع عن مصالح المطلعين في حين تتجاهل محنة جيش متكاثر من الغرباء.

يرى ماكرون أن التقدمي الحق لا ينبغي له أن يكتفي بدعم الإصلاحات التي تعزز حق أصحاب العمل في فصل وإدارة العمال؛ فمن المهم بنفس القدر أن يعمل على زيادة الضمان الاجتماعي لصالح أولئك الذين يفقدون وظائفهم، وتدريبهم على مهارات جديدة، وتحفيزهم لقبول وظائف جديدة.

والفكرة بسيطة: إذا امتلك أصحاب العمل قدرا أكبر من السيطرة على طول مدة استئجارهم للموظفين وكم يدفعون لهم، فإن هذا من شأنه أن يمكنهم من استئجار المزيد من العمال بعقود طبيعية. وسوف تضمن شبكة الأمان الاجتماعي المحسنة توفر العمال من ذوي المهارات المناسبة.

لا شيء جديد في هذا بطبيعة الحال. فقد جرى تنفيذ هذا النهج، المعروف بالمسمى الجديد المؤسف "الأمان المرن"، ببعض النجاح في الدنمرك ودول إسكندنافية أخرى في تسعينيات القرن العشرين. ولكن الأمان المرن من المحتم أن يفشل تماما في فرنسا، فيتعزز بالتالي موقف القوميين الكارهين للأجانب بقيادة لوبان، لأنه من غير الممكن أن يعمل إلا في بيئة الاقتصاد الكلي التي يقود الاستثمار فيها النمو. ولكن من المؤسف أن هذه ليست البيئة التي ورثها الرئيس الفرنسي الجديد.

في فرنسا اليوم، أصبح الاستثمار في رأس المال الثابت، نسبة إلى الدخل الوطني، عند أدنى مستوياته في عقود من الزمن ــ وهو يواصل الهبوط. ويؤدي هذا إلى تعزيز التوقعات الانكماشية، وهو ما يعني ضمنا، عندما يصبح فصل الموظفين أسهل، انخفاضا سريعا في عدد الوظائف الدائمة المتفرغة. باختصار، بدلا من تحسين الانقسام بين المطلعين والغرباء، يعمل تشريع ماكرون لسوق العمل على تعميق هذا الانقسام.

وسوف تكون أعظم صعوبة تواجه ماكرون هي ذاتها التي واجهت هولاند: التعامل مع ألمانيا. ذلك أن الحكومة الألمانية ــ وبالتالي مجموعة اليورو من وزراء مالية منطقة اليورو التي تهيمن عليها ألمانيا ــ لا تفوت أي فرصة لتوبيخ الفرنسيين بسبب فشلهم في خفض عجز الموازنة الحكومية إلى ما دون النسبة المتفق عليها (3% من الناتج المحلي الإجمالي).

وقد تعهد ماكرون بتحقيق هذا من خلال فصل موظفي الخدمة المدنية وخفض إنفاق الحكومات المحلية، وزيادة الضرائب غير المباشرة، التي تلحق الضرر بالأكثر فقرا في نهاية المطاف. وفي أي اقتصاد مبتلى بانخفاض الاستثمار واستمرار هذا الانخفاض، من المحتم أن يُفضي خفض الإنفاق الحكومي وزيادة الضرائب غير المباشرة إلى إضعاف الطلب الكلي، وبالتالي تأكيد التوقعات المتشائمة التي تمنع المستثمرين من الاستثمار وتعطي العجلة الانكماشية دفعة أخرى.

وكأن هذا لا يكفي، فإذا بماكرون يَعِد بمقاومة الظلم الذي يشعر بأنه يُثقِل كاهل الفرنسيين من ذوي الدخل المنخفض رغم أنهم أغنياء بالأصول: فقد تعهد بخفض الضرائب المفروضة على الثروات أو الأصول التي لا تدر دخلا فوق عتبة معينة. وكما هي الحال مع الأمان المرن، فإن هذا يستند إلى منطق معقول: ذلك أن فرض الضرائب على الأصول التي لا تدر دخلا أمر غير منطقي من أي منظور أخلاقي أو سياسي أو اقتصادي.

ومع ذلك فإن خفض الضرائب المفروضة على الثروة قبل سد الثغرات التي تسمح لإصحاب الدخول المرتفعة (وهم أغنياء بالأصول عادة أيضا) بدفع حصتهم في ضريبة الدخل أمر غير منطقي أيضا. فالقيام بهذا أثناء ممارسة التقشف على الفقراء أشبه بارتكاب عمل من أعمال التخريب ضد مجتمع منقسم بالفعل.

الواقع أن ماكرون يدرك الحماقة المتأصلة في أساسات منطقة اليورو. وقد وعد بالعمل بلا كلل لإقناع ألمانيا بأن أوروبا لابد أن تسارع إلى إنشاء الاتحاد المصرفي اللائق، والتأمين المشترك للبطالة، وآلية إعادة هيكلة الدين للدول مثل اليونان والبرتغال، فضلا عن إنشاء خزانة فيدرالية لائقة، وإصدار سندات اليورو (التي تعمل مثل سندات خزانة الولايات المتحدة)، وبرلمان فيدرالي يضفي الشرعية على سلطة الخزانة الفيدرالية.

ماذا قد يفعل ماكرون إذن عندما ترفض ألمانيا كل هذا؟ الواقع أن الألمان رفضوا بالفعل. فوفقا لوزير المالية الألماني فولفجانج شويبله، كل ما تحتاج إليه أوروبا الآن هو تحويل آلية الاستقرار الأوروبي إلى صندوق نقد أوروبي. بعبارة أخرى، إذا كانت فرنسا تريد تمويلا مشتركا، فيتعين عليها أن تُخضِع نفسها لذات الشروط التي دمرت اليونان. ويوافق مارتن شولتز زعيم حزب الديمقراطيين الاجتماعيين المعارض في ألمانيا على عدم الاحتياج إلى مؤسسة مالية جديدة، مقترحا ببساطة أن تشترك فرنسا وألمانيا في تمويل بعض المشاريع الاستثمارية المشتركة.

لا ينبغي لنا أن ننسى أن هولاند فاز أيضا بالرئاسة الفرنسية على وعد بتحدي ألمانيا بشأن سياسة الاقتصاد الكلي في منطقة اليورو ــ ثم سرعان ما تخلى عن المعركة. وإذا كان لماكرون أن ينجح، فسوف يحتاج إلى موقف احتياطي هائل واستراتيجية أوروبية يمكنه ملاحقتها من دون موافقة ألمانيا. ولا يوجد من الدلائل ما يشير إلى وجود مثل هذه الخطة. بل كل ما نراه هو الاستعداد للقيام بكل ما تطالب به ألمانيا مقدما، بما في ذلك "الأمان المرن"، والتقشف، وما إلى ذلك، على أمل أن توافق ألمانيا على بعض إصلاحاته لمنطقة اليورو قبل أن يفوت الأوان.

لقد أدرك العقلاء ضرورة تعضيد ماكرون في مواجهة لوبان. وهم الآن يدركون أن سياسات ماكرون سوف تُفضي إلى تفاقم الدورة الارتدادية الانكماشية التي هي حليف لوبان الأعظم. والآن بعد انقشاع غبار الانتخابات، بات من الواضح أن معارضة لوبان تعني معارضة ماكرون.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali