14

التحديات الحقيقية في مواجهة النمو

ميلانو ــ كانت تجربة الاقتصادات المتقدمة منذ الأزمة المالية التي اندلعت عام 2008 سبباً في تحفيز مناقشة سريعة التطور تدور حول النمو وتشغيل العمالة والتفاوت بين الناس في الدخل. ولا ينبغي لهذا أن يدهشنا: فبالنسبة لأولئك الذين توقعوا التعافي السريع نسبياً بعد الأزمة، كلما ظلت الأمور على حالها لفترة أطول كلما كان قدر التغيير الطارئ عليها أعظم.

بعد فترة وجيزة من اقتراب النظام المالي من الانهيار الكامل، تلاشت وجهة النظر المجمع عليها لصالح التعافي الدوري الطبيعي مع تكشف واتضاح مدى الضرر الذي لحق بالميزانيات العمومية ــ وتأثير تقليص الديون على الطلب المحلي. ولكن حتى بعد أن أصبح تقليص المديونيات الآن جارياً على قدم وساق، فإن التأثير الإيجابي على النمو وتشغيل العمالة كان محبطا. ففي الولايات المتحدة يظل نمو الناتج المحلي الإجمالي أدنى كثيراً من المستوى الذي كان يُنظَر إليه حتى وقت قريب باعتباره المعدل المحتمل، ولا يزال النمو في أوروبا متواضعاً للغاية.

ويظل تشغيل العمالة متدنياً ومتخلفاً عن نمو الناتج المحلي الإجمالي، وهو النمط الذي بدأ قبل ثلاث فترات من الركود على الأقل والذي أصبح أكثر وضوحاً مع كل فترة انتعاش. ففي أغلب الاقتصادات المتقدمة تولد عن القطاع القابل للتداول نمواً محدوداً للغاية في فرص العمل ــ وهي المشكلة التي كان الطلب المحلي حتى عام 2008 كافياً "لحلها" من خلال توظيف عدد كبير من الناس في القطاع غير القابل للتداول (الحكومة والرعاية الصحية والبناء والتجزئة).

ومن ناحية أخرى فإن الاتجاهات السلبية في توزيع الدخل كانت سابقة للأزمة واستمرت بعد نهايتها. ففي الولايات المتحدة اتسعت الفجوة بين نصيب الفرد في الدخل والدخل المتوسط إلى أكثر من 20 ألف دولار. وقد تركزت أغلب مكاسب الدخل الناجمة عن نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع العلوي من توزيع الدخل. وقبل اندلاع الأزمة، كان تأثير الثروة الناتج عن ارتفاع أسعار الأصول سبباً في تخفيف الضغوط النزولية على الاستهلاك، تماماً كما أنتجت أسعار الفائدة المنخفضة والتيسير الكمي منذ عام 2008 مكاسب كبيرة في أسعار الأصول، والتي قد لا تدوم طويلاً نظراً لضعف الأداء الاقتصادي.