0

دروس من حرب لبنان

في الحروب لا يكفي التفوق في ساحات القتال لإحراز النصر، بل لابد وأن يتم تسجيل ذلك النصر في أذهان الناس أيضاً. لذا، فعلى الرغم من أن حزب الله لم يحقق نصراً حاسماً في حربه الحالية ضد إسرائيل، بتمكنه من الاحتفاظ بقدرته على الصمود في وجه القوة العاتية التي يتمتع بها جيش إسرائيل، إلا أنه استطاع أن يأسر مخيلة العرب باستعادة الكرامة المفقودة كما فعل الجيش المصري حين عبر قناة السويس في عام 1973. ولقد كانت الكرامة المستردة من العناصر الأساسية التي قادت الرئيس أنور السادات في النهاية إلى اتخاذ قراره بالذهاب إلى القدس وإعادة شبه جزيرة سيناء بالكامل إلى أرض مصر.

وعلى الرغم من الثمن الفادح الذي تكبده الشعب اللبناني على الصعيد الإنساني والاقتصادي، فضلاً عن البنية الأساسية التي دمرت، إلا أن حزب الله أثبت للإسرائيليين على نحو لا يقبل الجدال أنهم لم يعد بوسعهم أن يعتبروا تفوقهم العسكري أمراً مسلماً به. فلقد فضحت هذه الحرب الحدود التي تقيد القوة العسكرية. فضلاً عن ذلك، فقد بات واضحاً لجميع الأطراف مدى جنون الحرب، وبمجرد أن ينتهي القتال الدائر حالياً، فمن المرجح أن يتحرى كل من الطرفين الحذر الشديد في تصرفاته، خشية أن تقود هذه التصرفات شعبه وبلاده إلى الحرب من جديد.

إن النتائج التي ستنتهي إليها هذه الحرب من المرجح أن تؤدي إلى تغيير الأساليب التي يتعامل بها المجتمع الدولي وإسرائيل مع الطموحات الوطنية الأساسية للشعوب العربية. وعلى ذلك فإن احتلال الأرض العربية، واحتجاز السجناء إلى ما لا نهاية، لن يشكل بعد الآن مصدر قوة، بل سيتحول إلى عبء رهيب.

لقد كان التفكير التقليدي في الشرق الأوسط مبنياً إلى حد كبير على قوة إسرائيل العسكرية الساحقة، فضلاً عن الفرقة السائدة بين القادة العرب وافتقارهم إلى الهدف. إلا أن القوة الأسطورية لأعتى جيش في المنطقة انكسرت خلال مدة تقل عن الشهرين، وظهر حسن نصر الله زعيم حزب الله بمظهر القائد الثابت العاقد العزم، وذلك في تناقض حاد مع السلوك المعتاد لقادة الحكومات العربية.