0

السيرك في وال ستريت

فيينا ـ إن أنصار الليبرالية الجديدة لا يفترضون أن الدولة لابد وأن تدار كما تدار الشركات فحسب، بل إنهم يزعمون أيضاً أن الدول يتعين عليها أن تمتنع قدر الإمكان عن التدخل في الاقتصاد. وهم يصرون على أن السوق قادرة على تنظيم نفسها. ولكن منذ ما يزيد على الخمسين عاماً عارض بول سامويلسون الحائز على جائزة نوبل إسباغ هذا النوع من الكمال المثالي على الأسواق في تعبير تصويري حين قال: "إن منح الأسواق الحرية المطلقة من شأنه أن يؤدي إلى حصول كلب روكفلر على الحليب الذي يحتاج إليه طفل فقير، ليس بسبب فشل الأسواق، ولكن لأن خيرها يصب في أيدي هؤلاء الذين يدفعون لها".

إن هذه المعضلة في التوزيع تكمن في قلب النظام الرأسمالي، الذي يقوم على منافسة لا تنتهي تتغذى على الدافع إلى تحصيل القدر الأعظم من الربح. وفي مثل هذا العالم لا مكان للضمير الاجتماعي.

وهنا يأتي دور الدولة، وهو الدور الذي يتفاوت في الحجم من مجتمع إلى آخر، في سد هذه الفجوة. إن نظام اقتصاد السوق لا يفوقه أي نظام آخر في القدرة على خلق الثروات، ولكن التعويض الاجتماعي هو وحده القادر على ضمان توزيع هذه الثروات على نحو يتسم بالعدل. والحقيقة أن الأنظمة التي تتبنى اقتصاد السوق في أوروبا تنظر إلى مسألة تخفيف التفاوت الذي تولده الأسواق بين الناس باعتبارها واجباً أساسياً من واجبات الدولة، على العكس من النموذج الذي يطرحه الليبراليون الجدد الأنجلوسكسونيون.

ولا يستطيع نظام اقتصاد السوق أن يعمل بنجاح إلا بتدخل من الدولة. ولقد أظهرت لنا الأزمة المالية التي تعيشها الولايات المتحدة الآن ما قد يحدث حين نمنح الأسواق حكماً مطلقاً. فبدلاً من تنظيم أنفسهم، يعمل اللاعبون في السوق على تدمير أنفسهم، رغم كل ما يحظون به من إعجاب وتقدير.