0

خطاب خروشوف السري ونهاية الشيوعية

إذا رجعنا إلى التاريخ سنجد أن بعض الأحداث قد تبدو ضئيلة الأهمية في البداية، أو قد تكون أهميتها خفية، ثم يتبين في النهاية أنها كانت ذات آثار مزلزلة. ولقد سجل التاريخ لحظة كهذه منذ خمسين عاماً، حين ألقى نيكيتا خروشوف خطابه، الذي أطـلـِق عليه "الخطاب السري"، على المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي. وفي اعتقادي أن تلك اللحظة تأتي مباشرة في المرتبة التالية لثورة 1917 البلشفية وبداية الحرب التي شنها هتلر في عام 1939، باعتبارها واحدة من أكثر اللحظات حسماً في تاريخ القرن العشرين.

في تلك اللحظة بدت الحركة الشيوعية وكأنها تمتطي موجة التاريخ، وليس فقط بالنسبة للناس في الاتحاد السوفييتي. ففي منتصف الخمسينيات كانت الشيوعية تتخذ موقفاً هجومياً في أوروبا، وكذلك في دول العالم الثالث الناشئة. وبدا الأمر وكأن الرأسمالية تحتضر. أما كل نقائص الشيوعية فقد اعتبرت مؤقتة، وأنها مجرد عثرات على الطريق إلى المجتمع العادل الذي كان يمر بمرحلة المخاض آنذاك. وكان ثلث البشر يرون أن الاتحاد السوفييتي يقود العالم نحو اشتراكية عالمية.

لكن المؤتمر العشرين وضع نهاية لكل ذلك. لقد كانت لحظة صدق، لحظة تطهر داخلي من قسوة الاشتراكية. لقد كان خطاب خروشوف إلى المؤتمر سبباً في زرع بذور الشك وإعادة النظر في الحركة الشيوعية في كافة أنحاء العالم.

كانت الدوافع التي تحرك خروشوف حين وقف على المنصة في صباح الخامس والعشرين من فبراير 1956، في اعتباره، دوافع أخلاقية. فبعد إجباره على ترك السلطة، كتب من معتزله في بيته الريفي: "يداي تغطيهما الدماء. لقد فعلت كل ما فعله الآخرون. ولكن حتى يومنا هذا، إذا ما اضطررت إلى الوقوف على تلك المنصة من جديد لكي أتحدث عن ستالين، فلسوف أكرر نفس ما قلت. ذات يوم لابد وأن ينتهي كل هذا".