0

المسلمون المعتدلون في إندونيسيا

أصبح العالم ينظر على نحو متزايد الآن إلى الإسلام في إندونيسيا، التي تُـشَكِل بتعداد سكانها الذي يبلغ مائتي مليون نسمة أضخم مجتمع إسلامي في العالم، نظرة تختلف تماماً عن نظرته إلى الإسلام الذي يُـمَـارَس في المجتمعات الإسلامية الأكثر قِدَماً في الشرق الأوسط. والحقيقة أن أحد العلماء البارزين، وهو بسام الطيبي من جامعة جيوتينين، قد وصف إندونيسيا بأنها "نموذج تقتدي به المجتمعات التي تتسم بالتنوع الديني والعرقي والثقافي في الحياة في سلام واحترام متبادل".

ويقول بعض المؤرخين إن الصيغة المعتدلة من الإسلام والتي تتبناها إندونيسيا تعكس الأسلوب الذي انتهجه التجار الأجانب في تقديم الإسلام إليها منذ القرن الرابع عشر. كما تعكس الثقافة الساحلية التي تجمع بين الإيمان بالمساواة، وتفاعل الطاقات، والاعتماد المتبادل بين بني البشر، والتي أثرت على طريقة فهم أهل إندونيسيا للإسلام وممارستهم له. فضلاً عن ذلك فقد تأثر الإسلام في إندونيسيا على نحو واضح بالصوفية التي تؤكد على العناصر الروحانية بدلاً من العناصر الشرعية للإيمان العقائدي.

وعلى نحو مشابه، تقول جيورا إليراز من الجامعة العبرية إن الأفكار الإسلامية التي وصلت إلى إندونيسيا من الشرق الأوسط قد تغيرت، فأصبحت أكثر شمولاً وميلاً إلى التعددية من حيث الشخصية، وذلك بفضل تأثير رجل الإصلاح المصري العظيم الإمام محمد عبده الذي ظهر في القرن التاسع عشر. ففي مصر لم تنل أفكار محمد عبده التقدمية التأييد سوى من طائفة ضئيلة من الإصلاحيين. أما في إندونيسيا فقد أدت رؤية محمد عبده للحداثة الإسلامية إلى إنشاء أضخم منظمة إسلامية تؤمن بالحداثة في البلاد تحت اسم "المحمدية"، والتي أصبحت تمثل الاتجاه السائد للإسلام المعتدل في إندونيسيا.

ولقد استمر تاريخ الاعتدال هذا بلا انقطاع وبكامل قوته طيلة القرن العشرين، حيث اعتنقه كل من المؤمنين بالتمسك بالتقاليد والمؤمنين بالحداثة. فعلى سبيل المثال أصدرت جماعة التقليديين المسماة "نهضة العلماء" فتوى شرعية في ثلاثينيات القرن العشرين أعلنت بموجبها أن الحكم الهولندي الاستعماري حكم شرعي. أما الزعماء الأوائل لجماعة "المحمدية" فقد ركزوا على نحو أكير على التحسين الروحاني للمسلمين كأفراد، بدلاً من فرض الشريعة الإسلامية على عامة الناس.