6

إجماع نيودلهي

نيودلهي ــ كان واحداً من أكثر التطورات إثارة للإعجاب في السياسة الهندية مؤخرا (ولو أنه لم يحظ بقدر كبير من التعليق) التحول المذهل الذي طرأ على الخطاب الذي يتناول الرأسمالية في البلاد. فكما هي الحال في العديد من الدول النامية، كان "الاعتماد على الذات" والاكتفاء الذاتي اقتصاديا من بين الشعارات الوطنية في الهند بعد الاستقلال ــ وفي حالة الهند ظلت مثل هذه الشعارات قائمة لأكثر من أربعة عقود من الزمان. وفي حين يربط أغلب الغربيين تلقائياً بين الرأسمالية والحرية، فإن القوميين في الهند يربطونها بالعبودية. فقد كانت شركة الهند الشرقية البريطانية، بشير الرأسمالية، التي أتت للتجارة ولكنها بقت لكي تحكم.

ومن بين الدروس التي يعلمنا التاريخ إياها أن التاريخ يعلمنا دروساً مغلوطة. وبالنسبة لزعماء الهند القوميين فإن هذا كان يعني أن كل أجنبي يحمل حقيبة أوراق لابد أن يكون عميلاً للإمبريالية الجديدة.

وكان لهذه النظرة تداعيات خطيرة على دور الهند في الاقتصاد العالمي. فبدلاً من دمج الهند في النظام الرأسمالي العالمي، كما اختارت أن تفعل قِلة قليلة من دول ما بعد الاستعمار ــ على سبيل المثال سنغافورة، كان زعماء الهند (وهؤلاء من أقدم المستعمرات) على اقتناع تام بأن الاستقلال السياسي الذي حاربوا من أجله لا يمكن ضمان استمراره إلا من خلال الاستقلال الاقتصادي.

ونتيجة لهذا فإن الاعتماد على الذات أصبح عقيدة رسمية، وارتفعت حواجز تدابير الحماية، وأمضت الهند 45 عاماً منفصلة إلى حد كبير عن التجارة العالمية وتدفقات الاستثمار. وسيطر البيروقراطيون، وليس رجال الأعمال، على "المرتفعات الاستراتيجية" للاقتصاد، وقيدت الهند نفسها بأصفاد الدولاتية التي أكدت على أسبقية عدالة التوزيع على النمو الاقتصادي، وخلقت روح المغامرة التجارية الحرة، وثبطت الاستثمار الأجنبي. وفي حين زأرت "النمور الآسيوية"، فإن الاقتصاد الهندي ظل متعثراً ولم يتجاوز معدل نموه السنوي 2% إلى 3%. حتى أن خبراء الاقتصاد تحدثوا بسخرية عن "معدل النمو الهندوسي".