0

في الدفاع عن السباكين البولنديين

يزعم مؤيدو النموذج الاجتماعي الأوروبي أن ما يميزه عن غيره يتمثل في أهمية عنصر "التماسك الاجتماعي". وبطبيعة الحال، من الصعب أن يتخذ المرء موقفاً رافضاً للتماسك الاجتماعي، بقدر ما هو من الصعب أن يعترض المرء على الصداقة على سبيل المثال. إلا أن السؤال الحقيقي هنا هو: ما هي أكثر السياسات قدرة على تحقيق النجاح في هذا السياق؟

إن السياسات المعمول بها حالياً لتحقيق غاية التماسك الاجتماعي تستند إلى معتقد مفاده أن التحرك الحر لقوى السوق، إن لم يخضع للتصحيح، فلابد وأن يؤدي إلى تفاوت هائل في الدخول، وبالتالي إلى زيادة حدة الصراع الاجتماعي. إلا أن الدراسات تميل إلى التأكيد على أن غالبية التحولات في الدخول، والناجمة عن تدخلات الحكومة، تحدث في إطار الطبقة المتوسطة، بينما ينتقل قدر ضئيل نسبياً من الثروة من الأغنياء إلى الفقراء. بل إن بعض تحولات الثروة تتحرك في الاتجاه العكسي. على سبيل المثال، تعمل العديد من أنظمة التقاعد على تحويل الثروة من الفقراء إلى الطبقة المتوسطة، وهذا ببساطة لأن الأثرياء من الناس يعيشون لمدة أطول عادة.

إن ما توفره أغلب الدول الأوروبية، على الرغم من جهودها في الإنفاق على البنود الاجتماعية، يتلخص في العديد من الخدمات، ولا تنجح كثيراً في تقليص التفاوت الاجتماعي. وعلى هذا فإن الإنفاق بمعدلات أقل على البنود الاجتماعية قد يترتب عليه زيادة ضئيلة نسبياً في التفاوت والصراع الاجتماعي. فضلاً عن ذلك فقد تتمكن الدول الأوروبية، إذا ما تعاملت مع الإنفاق الاجتماعي بصورة أفضل استهدافاً، من زيادة قدرتها على تقليص التفاوت، وبقدر أقل من التحول الاجتماعي.

الحقيقة أن بعض السياسات الرامية إلى تحقيق غاية التماسك الاجتماعي قد تؤدي إلى إضعاف هذا التماسك. ذلك أن القيود المفروضة على فصل الموظفين، على سبيل المثال، قد تسفر عن حماية من لديهم وظائف بالفعل، إلا أن هذا يكون في كثير من الأحوال على حساب العاطلين عن العمل، الأمر الذي يؤدي بالتالي إلى زيادة حدة الاستبعاد الاجتماعي. وحتى حين تنجح المعدلات المرتفعة من التحويل الاجتماعي في تقليص التفاوت بالفعل (وبالتالي دعم التماسك الاجتماعي كما يفترض)، فإنها قد تؤدي إلى تقويض العلاقات بين طوائف المجتمع إذا ما رأى الأثرياء أن الأقليات العرقية تشكل المستفيد الوحيد من هذه التحويلات.