0

من إسرائيل المتوسطة إلى فلسطين المتوسطة

حيفا ـ يتحدث الأميركيون عن "أميركا المتوسطة" ويتحدث البريطانيون عن "إنجلترا المتوسطة". وكل منهما مكان خيالي من المفترض أن يجسد الشخصية الحقيقية للأمة. إسرائيل أيضاً لديها "إسرائيل متوسطة"، إلا أنها تختلف تمام الاختلاف عن المكان الذي يصفه الأميركيون والبريطانيون.

فبدلاً من أن تكون محلية بعض الشيء، تتسم إسرائيل المتوسطة بمستوى التعليم الجيد، وثنائية أو تعدد اللغات، والارتباط الشديد ببقية العالم الأكثر اتساعاً. وهي التي زودت إسرائيل بالنجاحات التي تمتعت بها طيلة العقد الماضي في مجال التكنولوجيا المتطورة. إن إسرائيل المتوسطة علمانية في الأغلب، رغم أنها تشتمل على المتدينين المعتدلين. وهي ليبرالية، وتحتقر أي شكل من أشكال التعصب، سواء كان دينياً أو قومياً. وهي تقوم على ثقافة قوية وراسخة قانوناً (وأن لم تكن كاملة) من المساواة بين الجنسين، وهي الثقافة التي جسدت الصهيونية منذ بداياتها الأولى.

وإسرائيل المتوسطة متفتحة في التعامل مع المثليين أيضاً ولا تعاني من مرض كراهية الأجانب بكل تأكيد. وهي في أغلبها يهودية، رغم الجيل الشاب من العرب المؤهلين الذين يتخرجون الآن في الجامعات ويشقون طريقهم ـ بصعوبة ـ نحو قلب المجتمع المدني. ولا ينبغي أن ننسى أن إسرائيل المتوسطة تكسب المال وتدفع الضرائب التي تدعم مجموعة عريضة من التقليديين، والأصوليين، والمغالين في الوطنية، وغيرهم من المتطرفين ـ من اليهود والمسلمين ـ من غزة إلى القدس إلى الضفة الغربية.

وهذه الأغلبية الصامتة لا تحظى بالتمثيل الوافي في الكنيست لأن أفرادها لا يميلون إلى امتهان السياسة. وهي أغلبية أضخم من أن نعتبرها صفوة أو نخبة. ولا يعيش أفرادها في المناطق الحضرية فقط، وهي تشتمل على أفراد ينتمون إلى أصول ثقافية مختلفة وتتمتع بهوية مشتركة قوية، وذاكرة مشتركة، وثقافة خصبة. وهي لا تتسم بالانطواء على الذات أو التعلق بالماضي.