3

فريدمان يكمل كينـز

في شهر نوفمبر/تشرين الثاني توفي أشهر المفكرين الأميركيين وأكثرهم نفوذاً في عالم الاقتصاد أثناء القرن الماضي. لم يكن ميلتون فريدمان أشهر المفكرين الاقتصاديين وأكثرهم نفوذاً في العالم ـ فهذا الشرف يرجع إلى جون ماينارد كينـز . إلا أن ميلتون فريدمان احتل المرتبة الثانية بجدارة.

من ناحية كان ميلتون فريدمان تلميذاً نجيباً، وخليفة، ومتمماً لعمل كينـز . كان كينـز في مؤلفه "نظرية عامة في تشغيل العمالة، والفائدة، والنقود" قد وضع إطار عمل يستعين به اليوم كافة خبراء الاقتصاد الشامل تقريباً. ويستند إطار العمل هذا إلى الإنفاق والطلب، والعوامل المحددة لعناصر الإنفاق، ونظرية تفضيل السيولة النقدية فيما يتصل بأسعار الفائدة على القروض قصيرة الأجل، وضرورة اضطلاع الحكومة بدور إستراتيجي قوي في الاقتصاد بهدف الحفاظ على التوازن وتجنب الفتور الاقتصادي أو النشاط الاقتصادي الزائد. وكما قال فريدمان : "جميعناً نعمل وفقاً لمذهب كينـز في هذا الإطار".

إلا أن نظرية كينـز لم تكن مكتملة: حيث أنها كانت تتعامل مع تشغيل العمالة، والفائدة، والنقود، ولم تكن نظرية أسعار. فقد أضاف فريدمان إلى إطار العمل الذي أسسه كينـز نظرية الأسعار والتضخم، استناداً إلى فكرة المعدل الطبيعي للبطالة وحدود تأثير السياسة الحكومية فيما يتصل بتحقيق الاستقرار الاقتصادي والنمو على الأمد البعيد ـ وهي الحدود التي إذا ما تجاوزتها الحكومة فقد يؤدي ذلك إلى حدوث حالة من التضخم المدمر الذي لا يمكن السيطرة عليه أو التحكم فيه.

فضلاً عن ذلك فقد عمل فريدمان على تصحيح إطار العمل الذي أسسه كينـز فيما يتصل بجانب على قدر عظيم من الأهمية. فقد قادت تجربة الأزمة الاقتصادية العظمى كينـز وخلفاءه الأكثر تقليدية إلى الاستهانة إلى حد كبير بالدور الذي تلعبه السياسة النقدية. ومن خلال حملة دامت لمدة ثلاثين عاماً بدأها فريدمان بكتابه الذي شارك آنّا جيه. شوارتز في تأليفه تحت عنوان "تاريخ النقد في الولايات المتحدة"، نجح في استعادة التوازن. وكما قال فريدمان أيضاً: "وهنا لا أحد منا يتبع مذهب كينـز ".