14

أوروبا ومراجعة الحقائق

برلين ــ قبل بضعة أسابيع قليلة، كان الأوروبيون يعتقدون أنهم يعيشون في ملاذ من نوع ما، في معزل عن الصراعات الحالية التي تجتاح العالم. ومن المؤكد أن أخبار المهاجرين الغرقى وصورهم كانت مروعة؛ ولكن المأساة التي تتابع فصولها جنوب إيطاليا واليونان ومالطا كانت تبدو بعيدة تماماً عن حياتنا اليومية.

وبدت الحرب الأهلية الوحشية في سوريا أشد بُعدا. وقد استخدم الرئيس السوري بشار الأسد الغازات السامة ثم في وقت لاحق البراميل المتفجرة المليئة بالمسامير والشظايا المعدنية ضد سكانه بلاده المتمردين. وأولئك الذين فروا من أتباع الأسد وجدوا أنفسهم في مواجهة إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية. فَقُتِل مئات الآلاف وفر الملايين من السوريين حيث يعيش أغلبهم الآن في مخيمات في الأردن أو لبنان أو تركيا منذ سنوات، في ظروف مروعة وبلا أمل في تحسن الأحوال.

لذا، في وقت من هذا الصيف، عندما اختفى آخر بصيص من أمل في العودة إلى سوريا ولم يعد ظهور بديل للأسد وتنظيم الدولة الإسلامية احتمالاً واقعيا، بدأ هؤلاء الناس يتجهون نحو أوروبا، التي بدت وكأنها تَعِد بمستقبل من السلام والحرية والأمن. وقدِم اللاجئون عن طريق تركيا واليونان ودول البلقان، أو عبر البحر الأبيض المتوسط هرباً من فوضى مماثلة في أريتريا وليبيا والصومال والسودان.

وفي شهر أغسطس/آب، تقطعت السبل بآلاف اللاجئين عند محطة كيليتي للقطارات في بودابست لأيام متعاقبة، عندما سمحت حكومة المجر المنزعجة العديمة الكفاءة عمداً للموقف بالتصاعد. وفي نهاية المطاف، بدأ الآلاف من الرجال، والنساء والأطفال ــ بل وحتى المسنين والمعاقين ــ يشقون طريقهم على الأقدام باتجاه حدود النمسا. وعند هذه النقطة، لم يعد بوسع أوروبا، وهي تشهد هذا النزوح بأعداد غير مسبوقة، أن تتجاهل التحدي وعواقب الأزمات التي تجتاح المنطقة المجاورة لها. والآن أصبحت أوروبا في مواجهة مباشرة مع الواقع والحقائق القاسية التي بدت وكأنها ملاذاً منها.