5

أوروبا الإقليمية

برلين ــ إن القدرة على تنفيذ مهام متعددة ليست بالضبط من بين مواطن القوة التي يتمتع بها الجيل الحالي من الزعماء في أوروبا. صحيح أنهم وضعوا أزمة منطقة اليورو ــ المسألة المركزية التي تتصل بمستقبل الاتحاد الأوروبي ــ على رأس أولوياتهم، ولكن كل القضايا المهمة الأخرى ــ وأكثرها أهمية ما يرتبط بالسياسة الخارجية والأمنية المشتركة ــ كانت موضع تجاهل تام تقريبا. وهنا على وجه التحديد ــ علاقات أوروبا الخارجية التي تشكل قضية بالغة الأهمية بالنسبة لمستقبل مواطني الاتحاد الأوروبي ــ تعود مسألة التأميم لتطل بوجهها القبيح مرة أخرى.

واليوم، بات بوسعنا أن نتعرف على الخطوط العريضة للنظام (أو بالأحرى عدم النظام) الدولي في مرحلة ما بعد أميركا ــ ليس فقط بهياكله الناشئة، بل وأيضاً بالمخاطر والتهديدات والصراعات التي يعمل على تأجيجها. وبالنسبة لأوروبا ــ وبقية العالم ــ أثبتت الأزمة المالية كونها العامل المحفز والمعجل بحدوث تغيرات أخرى بعيدة المدى.

ففي شرق آسيا، المنطقة الأكثر ديناميكية وهيمنة في مجال التنمية الاقتصادية العالمية في المستقبل، تتصاعد المواجهة بين القوى الرئيسية ــ الصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان ــ حول قضايا حدودية، ومطالبات إقليمية، وهيبة الدولة، وكل القضايا التاريخية المعلقة. أضف إلى هذا الأزمة المزمنة في شبه الجزيرة الكورية والصراع بشأن تايوان، والذي قد يشتعل مرة أخرى في أي وقت.

إن القوى الإقليمية في شرق آسيا تعمل بدون أي إطار متعدد الأطراف تقريبا، وهو وضع أشبه بذلك الذي كانت عليه أوروبا قُرب نهاية القرن التاسع عشر. فالوجود الأميركي العسكري والسياسي وحده هو الضامن للاستقرار الإقليمي. ومع هذا فإن هذا الوجود في الأمد المتوسط على الأقل ينطوي على مجازفة كبرى بالتحريض على مواجهة عالمية بين الصين والولايات المتحدة. فضلاً عن ذلك فإن روسيا ــ التي تمتد إلى شرق آسيا، ولكنها كانت نظراً لضعفها الاقتصادي والسياسي مجرد لاعب غير أساسي في الخلفية ــ سوف تسعى بكل تأكيد إلى الاستفادة من هذا التطور.