14

بريطانيا وقشة الاتحاد الأوروبي الأخيرة

لندن ــ تُرى هل نستطيع أن نعتبر 1.7 مليار جنيه إسترليني (2.7 مليار دولار أميركي) مبلغاً كبيراً من المال حتى تعجز الحكومة البريطانية عن إنفاقه؟ يبدو الأمر كذلك عندما يكون هذا المبلغ مطالبة مفاجئة تتعلق بميزانية الاتحاد الأوروبي. ولكن تأثير فاتورة ميزانية الاتحاد الأوروبي غير المتوقعة ليس مالياً فحسب، فقد أتت هذه المطالبة في وقت حيث يحتل حزب الاستقلال المناهض للاتحاد الأوروبي في المملكة المتحدة مرتبة عالية في استطلاعات الرأي. كما يكشف هذا الحدث عن الطبيعة التعسفية التي تتسم بها عملية وضع ميزانية الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يُظهِر الاتحاد الأوروبي في هيئة سيئة ــ وقد يكون بمثابة القشة الأخيرة التي قد تُجهِز على عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.

يرجع أصل هذه الفاتورة إلى عملية إعادة حساب إحصائية من قِبَل اليوروستات، المكتب الإحصائي التابع للاتحاد الأوروبي، لأداء المملكة المتحدة الاقتصادي على مدى السنوات العشرين الماضية. غير أن التكاليف الأطول أمداً قد تكون أعظم كثيراً من هذا المبلغ الصغير نسبيا (0.1% من الناتج المحلي الإجمالي). والواقع أن الأزمة السياسية ــ التي نشأت مع احتساب الرسوم الإضافية على الميزانيات الوطنية والحسومات من ميزانية الاتحاد الأوروبي ــ تنبع من التعسف المؤسسي الذي يبدو ظالماً ويعمل على تعزيز قدر كبير من الاستياء. ومثل الصداقات أو الزيجات التي تنهار بسبب قضايا تبدو تافهة ظاهرياً رغم أنها تشير في واقع الأمر إلى مشاكل جوهرية، كانت أزمة الميزانية هذه سبباً في تسليط الضوء على عيب خطير في العلاقة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.

كان لهذه المطالبة المالية الجديدة وقع المفاجأة على رئيس وزراء المملكة المتحدة ديفيد كاميرون، الذي وصفها بأنها "غير مقبولة على الإطلاق". وبالنسبة للعديد من المتشككين في أوروبا، كان ذلك الحدث علامة أخرى على مؤامرة تدبرها المفوضية الأوروبية ضد بريطانيا. ففي إشارة إلى لعبة أطفال بطلها محقق في جرائم القتل أعلن كاميرون: "لا يحتاج المرء إلى المفتش كلودو لكي يعرف أن شخصاً ما ضُرب بماسورة من الرصاص على رأسه في المكتبة". ولعل المقارنة ببطاقات الحظ في لعبة المونوبولي، اللعبة التي انتشرت إبان أزمة الكساد الأعظم في ثلاثينيات القرن العشرين، والتي سلطت الضوء على الظلم العشوائي الذي تمارسه الرأسمالية، كانت لتصبح أكثر ملاءمة.

الواقع أن توقيت هذه المشاجرة ما كان ليصبح أفضل لمعارضي الاتحاد الأوروبي في بريطانيا. وقد يميل ميزان القوى لصالح حزب الاستقلال في المملكة المتحدة بعد الانتخابات العامة في مايو/أيار المقبل، فيرغم الحكومة على عقد الاستفتاء الذي وعدت به على البقاء في عضوية الاتحاد الأوروبي أو الخروج منه. وتحت الضغوط الانتخابية، بدأ الحزبان الرئيسيان في بريطانيا ــ حزب المحافظين وحزب العمال ــ يناديان بالفعل بفرض قيود على الهجرة تتعارض مع قانون الاتحاد الأوروبي والمبادئ الأساسية للتكامل الأوروبي. وقد يؤدي هذا التصعيد العاطفي إلى دفع العديد من الناس على ضفتي القنال الإنجليزي إلى استنتاج مفاده أن المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي سوف يكون كل منهما أفضل حالاً من دون الآخر.