11

هناك حيث لا تزال أوروبا تعيش

لفيف ــ كانت نتيجة الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي في المملكة المتحدة صادِمة لجماهير الناس في مختلف أنحاء أوروبا. ولكن مراقبة ردود الأفعال في لفيف في غرب أوكرانيا ــ أحد أهم مراكز الحماس للاتحاد الأوروبي ــ كانت مؤلمة بشكل خاص.

في وقت حيث لا يتورع الانتهازيون غير المسؤولين والشعبويون في المملكة المتحدة عن هدم مؤسسات بلادهم، ومؤسسات أوروبا، يحاول الإصلاحيون في أوكرانيا بناء شيء جديد. وفي حين روجت حملة "الخروج" في المملكة المتحدة لمخاطر كاذبة ملفقة منسوبة إلى الهجرة لتعزيز حجتها، يواجه الناشطون في أوكرانيا تهديدات حقيقية للغاية في سعيهم إلى إنشاء إطار للمجتمع المدني قادر على الصمود تحت الضغوط الداخلية التي يفرضها حكم القِلة والتأثير الخارجي المتمثل في روسيا.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

تاريخيا، تُذَكِّرُنا لفيف، وربما أكثر من أي مدينة أخرى، بقدرة أوروبا على التدمير الذاتي. فحول ساحاتها الخلّابة، تَمثُل أحجار الرصف والواجهات المزخرفة شاهدة صامتة على إراقة الدماء التي رافقت صعود وسقوط إمبراطوريات. غير أن لفيف مدينة حيث يستطيع المرء أيضا أن يجد الأمل في وعد أوروبا.

لفيف مدينة تتسم بالعداء العميق لروسيا وتأييد أوروبا؛ ولكنها لخمسة أيام في كل صيف، تستضيف مهرجان ألفا للجاز، برعاية بنك روسي. ورغم حالة الحرب التي لا تزال قائمة بين روسيا وأوكرانيا إلى حد كبير، تمتلئ شوارع لفيف بصناع السياسات، والمواطنين المحليين، وأعضاء من الشتات الأوكراني، بل وحتى بعض الروس، للاحتفال بموسيقى الجاز العالمية.

بعيدا عن حياتها الثقافية النابضة بالنشاط وموقعها الجغرافي المهم، تشكل أوكرانيا أهمية استراتيجية للغرب. فهي جبهة رئيسية في المواجهة العالمية بين الديمقراطية والاستبداد. وهي تمثل بالنسبة لأوروبا فرصة فريدة لتعزيز سيادة القانون والشفافية والتجارة الحرة والحكم الرشيد خارج حدودها.

أوكرانيا دولة كبيرة تتمتع برأسمال بشري وافر، وموارد طبيعية، فضلا عن إمكانات النمو في العديد من القطاعات. والأمر الأكثر أهمية هو أن الإصلاحات الناجحة في أوكرانيا تجعل التطورات الإيجابية في روسيا أكثر ترجيحا. ولكن اقتصاد أوكرانيا تقلص بنحو الثلثين (قياسا بالدولار) منذ عام 2006، الأمر الذي يجعلها أفقر دولة في أوروبا.

بعد الإطاحة بالرئيس المؤيد للروس فيكتور يانوكوفيتش في عام 2014، بدا الحلم الأوروبي فجأة أقرب منالا في نظر العديد من الأوكرانيين، الذين كانوا يأملون في التمكن من السفر بدون تأشيرة والحصول على فرص العمل في الاتحاد الأوروبي ذات يوم في المستقبل القريب. ومع التصويت على خروج بريطانيا، تضاءل هذا الأمل الآن، كما تضاءل النموذج الأوروبي الذي طالما ألهم المجتمعات التي خرجت من ضباب ما بعد الاتحاد السوفييتي. وكان هناك شعور ملموس باليأس وفقدان اليقين بين الأوكرانيين الذين كانوا يستمتعون بموسيقى الجاز في لفيف وهم يشاهدون أوروبا تدمر ذاتها مرة أخرى.

إن الخروج البريطاني يعطي قوى الاستبداد دَفعة غير مستحقة، فقد تدهورت قدرة أوروبا على استعراض قوتها الناعمة، كما ضعفت رغبتها في استعراضها. ولن تضيع فوائد ما بعد الربيع العربي وعالَم ما بعد أوروبا على طغاتها، الذين بات بوسعهم أن يطمئنوا الآن.

مع ذلك، لا تزال بعض أسباب الأمل قائمة. فلا تزال الإصلاحات الحقيقية في أوكرانيا قادرة على تحقيق النجاح، وما تحقق في العامين الآخرين أكثر مما جرى إنجازه في السنوات العشرين السابقة. فبادئ ذي بدء، استقر الاقتصاد على الأقل، وانحسر القتال في شرق البلاد.

يلتزم رئيس وزراء أوكرانيا الحالي فولوديمير جروسمان بمواصلة الإصلاحات الإضافية لمحاربة الفساد، بما في ذلك إلغاء دعم الطاقة والتحول إلى سياسة نقدية أكثر شفافية (من استهداف سعر الصرف إلى استهداف التضخم).

في الشرق، يعاني اقتصاد روسيا من انخفاض أسعار الطاقة والعقوبات الغربية، ولن يتغير أي من الأمرين في أي وقت قريب. وحتى في غياب هذه الظروف الخارجية، كان اقتصاد روسيا مبتلى بارتفاع التكاليف والافتقار إلى نمو الإنتاجية. ولكن بعض المقربين من الدائرة القريبة من القيادات الروسية أشاروا على الأقل إلى رغبة جديدة في مناقشة القضايا ذات الاهتمام الإقليمي والعالمي.

وفي الغرب، لا يزال بوسع الاتحاد الأوروبي أن يستعيد الاتزان ورباطة الجأش، شريطة أن يتحرك بسرعة لتبديد حالة عدم اليقين الحالية بعد الخروج البريطاني. وإذا نجح في هذا فسوف يكون بوسعه أن يلاحق فرص الاستثمار في أوكرانيا وبلدان جنوب شرق أوروبا الراغبة في تجديد رأسمالها السياسي وتجديد نمو إنتاجيتها.

ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يعترف بالخروج البريطاني باعتباره فرصة للمضي قُدُما في تنفيذ الإصلاحات الجوهرية، والتي تعثرت جزئيا بسبب معارضة بريطانيا. وتُظهِر استطلاعات الرأي أن مواطني الاتحاد الأوروبي يتفهمون الحاجة إلى وضع إطار يشمل أوروبا بالكامل للتحكم في القطاع المالي (وخاصة الخدمات المصرفية عبر الحدود)، وإدارة تدفقات اللاجئين، وتنفيذ التدابير اللازمة لمكافحة تغير المناخ والتخفيف من آثاره.

في نظر مواطني لفيف، يوفر المشروع الأوروبي نموذجا ليس فقط لإعادة بناء مجتمعهم، بل وأيضا للانضمام إلى شيء أكبر. وهذه الرؤية الأكبر هي ذاتها التي لم تقدمها حملة "البقاء" لناخبيها، باستثناء خطاب رئيس الوزراء السابق جوردون براون بعنوان "القيادة وليس الرحيل". وحتى أنصار أوروبا في المملكة المتحدة تساءلوا ما إذا كان الأمر يستحق التصويت لصالح البقاء، نظرا لضعف مشاركة حكومة المملكة المتحدة في قيادة الاتحاد الأوروبي. كانت المملكة المتحدة ولا تزال في احتياج إلى رؤية تعرضها على الناس حول كيفية تحسين أحوالها من خلال تحسين أحوال الاتحاد الأوروبي.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

بينما يواصل الإصلاحيون في أوكرانيا بشجاعة بناء مؤسسات جديدة، فإنهم يتطلعون إلى الاتحاد الأوروبي، وبشكل خاص المملكة المتحدة، طلبا للمخططات الأساسية. ولا يملك المرء إلا أن يتمنى أن ننظر ذات يوم إلى لفيف ــ حيث يشعر كل مواطن بحس الملكية لكل حجر ــ طلبا للإلهام أيضا.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel