9

سوريا المهجورة

مدريد ــ في خضم الاحتفالات التذكارية في كل مكان هذا العام، تجاهل العالم إلى حد كبير حلول الذكرى المئوية لميلاد جان كارسكي. ورغم هذا فإن إرث كارسكي يُعَد الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى ــ وتتجلى أهميته في أوضح صورها في سوريا. فمع تقدم عملية السلام جنيف الثانية بمشقة وصعوبة ــ في حين تتراكم الجثث والفظائع ــ يجسد تفاني كارسكي في جلب محنة اليهود في بولندا إلى انتباه العالم أثناء الحرب العالمية الثانية، برغم جمود الحكومات وجماهير الناس، ما تحتاج إليه سوريا بشدة الآن على وجه التحديد.

ففي عام 1942 سافر كارسكي، الدبلوماسي البولندي المولد، إلى المملكة المتحدة لتقديم تقرير حول ما أصبح يسمى بالمحرقة. وفي العام التالي انطلق في مهمة إلى الولايات المتحدة لإطلاع الرئيس فرانكلين روزفلت وغيره من كبار الشخصيات على الفظائع الذي شهدها. وفي الحالتين، قوبِل كارسكي بالتشكك وعدم الاكتراث. وقبيل انتهاء الحرب العالمية فقط بدأ اتخاذ الإجراءات لوقف المذبحة.

ورغم أن المحرقة تشكل فئة فريدة من الاضطهاد، فإن المرء لا يملك إلا أن يفكر في كارسكي في ضوء النهج الذي يسلكه المجتمع الدولي في التعامل مع سوريا اليوم. فالحق أن التوقعات بالنسبة لمحادثات جنيف متدنية للغاية حتى أن بعض المسائل التفاهة ــ مثل جلوس مفاوضي الرئيس بشار الأسد والمعارضة معاً في نفس الغرفة (وإن لم يكن على نفس الطاولة أبدا) ــ تحظى بالاستحسان والتهليل باعتبارها نجاحات.

وحتى التوصل إلى اتفاق يقضي بالسماح للنساء والأطفال بمغادرة المناطق المحاصرة في مدينة حمص (أحد معاقل مناهضي الأسد) لا يرقى على الإطلاق إلى رؤية الوسطاء الدوليين ــ بل وحتى هذا الإنجاز يبدو موضع شك. فبدلاً من السماح لقافلة مساعدات الأمم المتحدة بإدخال المساعدات الإنسانية إلى المنطقة، وافقت الحكومة على السماح للنساء والأطفال بالخروج وفقاً لجدول زمني غير مؤكد بعد، في حين لا يستطيع الرجال الخروج إلا بعد التأكد من عدم اتهامهم في جرائم، الأمر الذي يثير المخاوف من اعتقالهم. في الوقت نفسه، ووسط مداولات متثاقلة بشأن الخطوات المتزايدة التي هي غير كافية بوضوح، يتعرض السوريون للتشرد والإصابة والتعذيب والقتل زُرافات ووحدانا.