Monday, April 21, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

بيت الورق الأميركي

هناك أوقات حيث لا يحمل إثبات صحة رأيك أي قدر من المتعة أو الابتهاج. فلأعوام عديدة كنت أؤكد أن الاقتصاد الأميركي يستند إلى فقاعة الإسكان التي حلت محل فقاعة سوق الأوراق المالية التي شهدتها فترة التسعينيات. إلا أن أي فقاعة ليس من الممكن أن تستمر في التمدد إلى الأبد. فمع ركود دخول أفراد الطبقة المتوسطة في الولايات المتحدة، لم يعد بوسع الأميركيين تحمل أسعار المنازل المتزايدة الارتفاع.

وكما عبر عن هذا الموقف أحد من سبقوني في العمل كرئيس لمجلس المستشارين الاقتصاديين لرئيس الولايات المتحدة في جملته الشهيرة: "إن كل ما لا يمكن أن يستمر لن يجد ما يدعمه إلى الأبد". والحقيقة أن خبراء الاقتصاد، على النقيض من أولئك الذين يكسبون عيشهم بالمقامرة في سوق الأسهم، لا يزعمون القدرة على التنبؤ بحلول الكوارث، ولا يمكنهم أن يتعرفوا على الحدث الذي من شأنه أن يؤدي إلى انهيار "بيت الورق". إلا أن النماذج تتسم بنوع من الانتظام، حيث العواقب التي تتجلى بالتدريج، وبصورة مؤلمة، مع مرور الوقت.

والأمر هنا ينطوي على قصة تتصل بالاقتصاد الشامل، وقصة أخرى بالغة الصِـغَر. والقصة المرتبطة بالاقتصاد الشامل بسيطة، إلا أنها مأساوية. ذلك أن بعض المحللين الذين شهدوا انهيار سوق الرهن العقاري الفرعي يقولون: "لا تنزعجوا، إنها مجرد مشكلة في سوق قطاع العقارات السكنية فحسب". إلا أن هذه النظرة تتجاهل الدور الرئيسي الذي لعبه قطاع الإسكان في اقتصاد الولايات المتحدة مؤخراً، حيث كان الاستثمار المباشر في العقارات السكنية، والأموال المقتطعة من المساكن عن طريق إعادة تمويل الرهن العقاري، مسئولاً عن ثلثي إلى ثلاثة أرباع النمو طيلة السنوات الست الأخيرة.

لقد استمد الأميركيون الثقة من ازدهار أسعار المساكن، التي أمدتهم أيضاً بالمال الكافي للإنفاق بمعدلات تفوق دخولهم. فقد بلغت معدلات ادخار الأسر الأميركية مستويات غير مسبوقة منذ الأزمة العظمى، حيث ثبتت عند الصفر أو ما دون الصفر.

ولكن بعد أن تسبب ارتفاع أسعار الفائدة في انخفاض أسعار المساكن وصلت اللعبة إلى نهايتها. ومع تحرك أميركا نحو معدلات ادخار تصل إلى 4% على سبيل المثال (وهو المعدل الذي ما زال يعتبر ضئيلاً بالمقاييس الطبيعية)، فلسوف يستمر إجمالي الطلب في الهبوط، ومعه الاقتصاد بالكامل.

أما القصة البالغة الصِـغَر فهي أكثر مأساوية. ذلك أن أسعار الفائدة التي هبطت إلى معدلات غير مسبوقة خلال الأعوام 2001، و2002، و2003 لم تحمل الأميركيين على استثمار المزيد ـ حيث كانت الأسواق قد تجاوزت أقصى سعة لها بالفعل. إلا أن المكسب المالي السهل كان سبباً في تحفيز الاقتصاد عن طريق إغراء الأسر الأميركية بإعادة تمويل رهنها العقاري، وإنفاق جزء من رؤوس أموالها.

إن الاقتراض بغرض الاستثمار، وهو الاقتراض الذي من شأنه أن يعزز من المركز المالي، ليس كالاقتراض بغرض القيام بإجازة مكلفة أو الانهماك في ضرب من العربدة الاستهلاكية. ولكن هذا هو ما كان ألان غرينسبان يشجع الأميركيين على القيام به. فحين أصبح الرهن العقاري الطبيعي غير كافي لتحريك المضخة، بادر إلى تشجيعهم على اللجوء إلى الرهن العقاري ذي السعر المتغير ـ في الوقت الذي لم يكن من الممكن لأسعار الفائدة إلا أن تتجه نحو الصعود.

بل لقد تجاوزت الجهات المقرضة الجشعة هذا بأشواط، فعرضت قروضاً سلبية مخصصة لإيفاء الدين بإفراد مبالغ دورية لتسديده، الأمر الذي جعل المبلغ المستحق في تصاعد عاماً بعد عام. وفي وقت ما من المستقبل لابد وأن ترتفع أقساط الدين، إلا أن هناك من قال للمقترضين مرة أخرى "لا تنزعجوا، فأسعار المساكن سوف ترتفع بسرعة أكبر، الأمر الذي يجعل من السهل تمويل الدين بقروض سلبية أخرى مخصصة لإيفاء الدين. كل هذا كان يشكل كارثة إنسانية اقتصادية تلوح في الأفق. والآن أصبحت الكارثة أمراً واقعاً: ولقد تناقلت التقارير الصحفية حالات لمقترضين تتجاوز دفعات أقساط رهنهم العقاري دخلهم بالكامل.

إن العولمة تعني ضمناً أن مشكلة الرهن العقاري في أميركا لابد وأن تكون ذات أصداء عالمية. ولقد تلقى بنك الإقراض العقاري البريطاني "نورثرن روك" أول ضربة. لقد تمكنت أميركا من تمرير مشاكل الرهن العقاري التي تجاوز حجمها مئات المليارات من الدولارات إلى المستثمرين (بما في ذلك البنوك) في كل أنحاء العالم. لقد خبأ الأميركيون رهنهم العقاري الرديء داخل أدوات مالية معقدة، على نحو كان من الصعب معه أن يتكهن أحد على وجه التحديد بمدى فساد تلك الأدوات، ولم يكون بوسع أحد أن يتوصل إلى الكيفية التي يستطيع بها أن يعيد تسعير هذه الأدوات بسرعة. وفي ظل هذه الحالة من عدم اليقين تجمدت الأسواق.

لقد تخلى العاملون في مجال الأسواق المالية مؤقتاً عن إيمانهم بالسوق الحرة. فزعموا أن تحقيق المصلحة العامة (وليس تحقيق مصالحهم الأنانية الخاصة بالطبع) يلزم الدولة بالمسارعة إلى الإنقاذ. ورغم تحذيرات وزارة الخزانة في الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي الموجهة إلى بلدان شرق آسيا أثناء الأزمة المالية التي تعرضت لها منذ عشرة أعوام بشأن المخاطر المترتبة على ذلك النوع من العون، ورغم نصائح الخبراء لهذه الدول برفع أسعار الفائدة، يبدو أن الولايات المتحدة قد تجاهلت المحاضرات التي كانت تلقيها على الآخرين بشأن تأثيرات الخطر الأخلاقي، فبادرت إلى شراء القروض العقارية بالمليارات، وخفضت أسعار الفائدة.

إلا أن انخفاض أسعار الفائدة قصيرة الأجل أدى إلى ارتفاع أسعار الفائدة متوسطة الأجل، وهي الأكثر ارتباطاً بسوق الرهن العقاري، ربما بسبب المخاوف المتصاعدة بشأن الضغوط المؤدية إلى التضخم. قد يكون من المنطقي في نظر البنوك المركزية (أو فاني ماي، كبرى شركات الرهن العقاري التي تكفلها الحكومة الأميركية) أن تبادر إلى شراء الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري بهدف المساعدة في توفير السيولة المالية في الأسواق. إلا أن هؤلاء الذين تشتري منهم لابد وأن يقدموا الضمانات اللازمة، حتى لا يضطر عامة الناس إلى تحمل ثمن قراراتهم الاستثمارية الرديئة. ولا ينبغي لحملة الأسهم العادية في البنوك أن يركبوا بالمجان.

إن هذا الحل، على الرغم من مزاياه المتمثلة في تقاسم المجازفة، يواجه ثلاث مشاكل غير متوقعة. فرغم أنه كان يعني تخفيف الضربة التي تلقتها البنوك الأميركية، إلا أن ممارسات الإقراض الرديئة في أميركا كانت ذات تأثيراً عالمية.

فضلاً عن ذلك فقد ساهم هذا الحل في الإقراض السيئ: ففي الماضي كانت البنوك تتحمل العواقب المترتبة على قروضها الرديئة؛ أما في عالم اليوم فقد أصبح من الممكن تمرير القروض الرديئة إلى آخرين. (وكما يقول خبراء الاقتصاد، فقد تصاعدت المشاكل الناجمة عن المعلومات غير المتساوقة).

في الماضي، حين كان المقترضون يعجزون تمام العجز عن تسديد الأقساط، كان من الممكن أن تعاد جدولة الرهن العقاري؛ حيث كان حبس الرهن يشكل ضرراً بالنسبة للمقترض والمقرض في نفس الوقت. أما تحويل الرهن العقاري إلى أسهم فقد جعل من إعادة جدولة الدين أمراً في غاية الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.

إن ضحايا المقرضين الجشعين هم من أصبحوا في حاجة إلى العون من الحكومة. فبعد أن أصبح الرهن العقاري يعادل 95% أو ما يزيد من قيمة المسكن، لن يكون من السهل إعادة جدولة الديون. إن المسألة تتطلب منح الأفراد المتعثرين إلى درجة كبيرة وسيلة سهلة وسريعة لبداية جديدة ـ على سبيل المثال عقد إفلاس خاص يسمح لهم باسترداد، فلنقل 75% من القيمة المتبقية التي استثمروها في مساكنهم في الأساس، مع تحمل المقرضين للتكاليف.

إن هذه الأزمة تشتمل على دروس كثيرة يتعين على أميركا ـ وبقية العالم ـ أن تتعلمها؛ ولكن من بين هذه الدروس الحاجة إلى قدر أعظم من التنظيم في قطاع التمويل، وخاصة توفير الحماية على نحو أفضل ضد المقرضين الجشعين، واعتماد المزيد من الشفافية.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured