30

العَرَّاب الروسي

وارسو ــ إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتن يتصرف وكأنه أحد زعماء المافيا. ففي غزوه واحتلاله شبه جزيرة القرم ثم ضمها، وجه بوتن المدافع الروسية إلى أوكرانيا ثم صرخ قائلا: "إما سيادتكم على أراضيكم أو حياتكم". وحتى الآن نجحت عملية الاغتصاب ــ وبوتن يعلم ذلك.

بل وفي خطابه الذي أعلن ضم شبه جزيرة القرم، كشف بوتن عن ما يدور في خلده: فنظامه لا يخشى أي عقاب وسوف يفعل كل ما يحلو له. وشبه جزيرة القرم ليست سوى خطوة أولى نحو تحقيق حلمه في إحياء المجد الروسي.

وكان خطابه في الكرملين نسيجاً من الأكاذيب والتلاعب بالألفاظ، وإن كان التحليل الدقيق لهذا الخطاب يُعَد مضيعة للوقت. فالحقيقة البسيطة هي أن رئيس واحدة من أكثر الدول قوة في العالم شَرَع في سلوك طريق يفضي إلى المواجهة مع المجتمع الدولي بأسره. الواقع أن خطابه كان أشبه بعالَم شياطين فيودور دوستويفسكي المحموم الذي ينضح بجنون العظمة والشك، والذي استحضر كوناً بديلاً وهميا ــ غير موجود ولم يكن له وجود قط.

فما هي الجوانب المشتركة بين كوسوفو، حيث عانى الألبان من الاضطهاد والتطهير العرقي، وبين الموقف في شبه جزيرة القرم، التي لم ير أهلها من الأوكرانيين أي اضطهاد أو قمع؟ وما هي الغاية من استعراض الازدراء الصريح لحكومة أوكرانيا وبرلمانها وشعبها؟ وما الهدف من وصم السلطات الأوكرانية بالفاشية ومعاداة السامية؟ إن تتار القرم لا يلقون بالاً إلى الحكايات الخرافية عن فاشيين يحكمون أوكرانيا؛ فما زال بوسعهم أن يتذكروا الترحيل الجماعي الوحشي القاتل لآبائهم وأجدادهم بأمر من ستالين وبتنفيذ وزارة الداخلية في الاتحاد السوفييتي.